
يمثل مشروع الأديب واللغوي العراقي عبد الحق فاضل في مجال التأثيل اللغوي علامة فارقة في الدراسات اللسانية العربية الحديثة. فمن خلال كتابه “مغامرات لغوية”، كان عبد الحق فاضل من الرعيل الأول الذي تبنى منهج التأثيل التاريخي المقارن، متجاوزًا بذلك الدراسات المعجمية التقليدية ليغوص في أعماق الكلمات بحثًا عن أصولها وجذورها المشتركة.
كانت الفكرة المحورية لمشروع عبد الحق فاضل قائمة على افتراض أن اللغة العربية هي أصل اللغات السامية والآرية، وهي فكرة استند إليها لإثبات وجود تماثلات صوتية ودلالية بين العديد من الكلمات العربية ونظيراتها الأوروبية. وقد دفعه هذا الاكتشاف إلى اقتراح مقاربة تأثيلية جديدة تُقصي الفكرة السائدة في الأوساط الأوروبية، والتي تفترض أن الكلمات الأوروبية قد تطورت عن جذور هندو-أوروبية.
إنجاز يستحق الإشادة.. ولكن!
لا يمكن إنكار أن مسعى عبد الحق فاضل يحمل في طياته روحًا رائدة تستحق الإشادة، فهو يمثل محاولة جادة لإعادة الاعتبار للغة العربية، وإبراز عمقها التاريخي وتأثيرها على لغات العالم. كما أن إصراره على البحث عن جذور مشتركة بين اللغات المختلفة يفتح آفاقًا جديدة للبحث اللغوي المقارن.
ومع ذلك، فإن مقاربة عبد الحق فاضل لا تخلو من مأخذ نقدي جوهري. فقد اتجه في سبيل إثبات نظريته إلى استبعاد المسار التطوري الهندو-أوروبي للكلمات الأوروبية بشكل كامل، واستبداله بمسار تطوري بديل ينطلق من أصول عربية. وهذا التوجه، وإن كان يخدم فكرته، إلا أنه يتناقض مع منهج البحث العلمي الذي يفرض ضرورة إدماج
النتائج المتراكمة بدلًا من إقصائها.
مقترح المقاربة التكاملية
كان من الأجدى أن يتبنى عبد الحق فاضل مقاربة تكاملية، لا تستبعد الماضي الهندو-أوروبي للكلمات، بل تتعمق فيه لتربطه بأصول عربية قديمة. فالمسار التطوري للغات ليس مسارًا أحاديًا يمحو ما سبقه، بل هو عملية تراكمية تتشكل فيها الأصول القديمة لتنتج عنها تطورات لاحقة. وبهذا، يمكن أن يُنظر إلى الجذور الهندو-أوروبية على أنها حلقة وصل في سلسلة تطورية أطول، تبدأ من الأصول العربية، وتتطور عبر المؤثرات الجغرافية واللغوية في بيئات مختلفة، وصولًا إلى الأشكال الأوروبية المعروفة اليوم.
في الختام، يظل مشروع عبد الحق فاضل إسهامًا مهمًا في الدراسات اللسانية العربية، يذكرنا بضرورة البحث عن أصول لغتنا وتاريخها. ولكن لكي يكتسب هذا المشروع وزنه العلمي الكامل، كان يجب أن ينأى عن الإقصاء، ليتبنى بدلاً منه منهجًا تكامليًا يثري المعرفة اللغوية بدلًا من محاولة استبدالها.
