
تُعد دراسة الظواهر الخارقة للطبيعة مجالًا شائكًا ومثيرًا للجدل، يقع فيه الكثيرون في فخ الخلط بين الحقيقة والادعاء، وبين الظاهرة الموثقة والتفسيرات الميتافيزيقية المبالغ فيها. إن الالتزام بالمنهج العلمي الصارم يوجب علينا أن نكون موضوعيين في حكمنا على ما يُدعى امتلاكه من قدرات خارقة، وأن ندرك أن كثيرًا من هذه الادعاءات ما هو إلا مزيج من القليل من الحقيقة والكثير من المزاعم والمبالغات، التي قد تنشأ عما يُسمى بـ “التخيل الرغبي” (wishful imagination).
تتجلى هذه الملاحظة بوضوح عند النظر إلى شخصيات مثل هيلينا بلافتسكايا. فقد صاغت بلافتسكايا نظامًا معرفيًا زائفًا، يفتقر إلى الأدلة والبراهين، ويقوم على افتراضات ميتافيزيقية يصعب إثباتها. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل بعض الجوانب التي تطرقت إليها، مثل حديثها عن السجلات الأكاشية (Akashic records)، بالإضافة إلى ما وثق عنها من امتلاكها لبعض القدرات الباراسايكولوجية، مثل التحريك الذهني (PK).
الأمر نفسه ينطبق على نينا كولاجينا. فقد تم توثيق قدراتها على تحريك الأشياء عن بعد، وهي قدرات لم يتم تفسيرها علميًا بعد. غير أن كولاجينا وظفت هذه القدرات المحدودة ضمن إطار نظرة ميتافيزيقية معاصرة إلى العالم، يمكن دحضها بسهولة. وكذلك الحال مع مارينا ببوفيتش، التي وظفت قدراتها المحدودة في سياق نظرية واهية عن الكائنات الفضائية واللقاءات المزعومة معهم.
كيف نتعامل مع هذه الظواهر؟
إن التحدي يكمن في كيفية التعامل مع هذه الادعاءات والمزاعم. يجب علينا أن نعمل على فصل الظاهرة الخارقة الموثوقة عن السياقات التي تُضمّن فيها لأغراض ثيوصوفية وميتافيزيقية لا تمت للحقيقة بصلة.
ليس من الموضوعية أن نحكم على صحة هذه الظواهر بأنها زائفة لمجرد ورودها في سياقات تتعارض مع المنهج العلمي الصارم.
وليس من الصائب أيضًا أن نشيح عنها بأبصارنا لمجرد عجز العلم الذي بين أيدينا عن استيعابها ضمن منظومته المعرفية أو استعصائها على التفسير والتعليل العلمي.
إن المنهج العلمي يوجب علينا أن نتبنى موقفًا متوازنًا: التحقق من الظاهرة ذاتها، وتوثيقها بشكل دقيق، مع التخلص من كل ما يحيط بها من مزاعم ومبالغات وخرافات. عندها فقط، يمكننا أن نتقدم خطوة نحو فهم حقيقي لهذه الظواهر، ونحولها من مجرد حكايات ميتافيزيقية إلى موضوعات جديرة بالدراسة والبحث.
