
تُثير الظواهر الخارقة جدلاً دائمًا حول حدود المعرفة العلمية وإمكانات الوعي البشري. فبينما يقتضي المنهج العلمي الصارم التزام البرهان التجريبي، غالبًا ما ترد هذه الظواهر في مزيجٍ يجمع بين شذرات قابلة للتوثيق وادعاءات موسَّعة تُصنّف ضمن التخيّل الرغبي (wishful imagination). ومن هنا تتضح أهمية التمييز بين الظاهرة ذاتها والسياق الميتافيزيقي أو الثيوصوفي الذي تُدرج فيه (Alvarado 2019).
بلافتسكايا: التيوصوفيا والباراسيكولوجيا
قدّمت هيلينا بلافتسكايا منظومة تيوصوفية ترتكز على فرضيات مفتقرة إلى الدليل التجريبي، ما جعلها أقرب إلى بناء معرفي زائف (Godwin 1994). ومع ذلك، فإنّ إشاراتها إلى السجلات الأكاشية (Akashic records) ظلّت تثير اهتمامًا فلسفيًا، حتى في غياب البرهان العلمي. كما أنّ بعض الروايات عن امتلاكها قدرات باراسيكولوجية مثل تحريك الأشياء عن بُعد (PK) تشير إلى وقائع لم تُحسم علميًا بعد (Goodrick-Clarke 2008).
نينا كولاجينا: التوثيق الجزئي وإعادة التوظيف
حظيت نينا كولاجينا باهتمام واسع في الأدبيات السوفيتية والغربية بسبب تجاربها في تحريك الأشياء عن بُعد. فقد وثّقت بعض الدراسات إمكانها التأثير في الأجسام الصغيرة دون لمس مباشر (Baker 1990). غير أنّ هذه القدرات المحدودة أُدرجت في أطر ميتافيزيقية لا تقوم على دليل، ما يُبرز الحاجة إلى الفصل بين الظاهرة الموثقة والنظرية الميتافيزيقية التي جرى إلصاقها بها (Braude 2007).
مارينا ببوفيتش: الخيال الفضائي وسقوط البنيان النظري
يتكرر النمط مع مارينا ببوفيتش، إذ أُلحقت بعض قدراتها الجزئية بادعاءات حول لقاءات مع كائنات فضائية (Clark 2002). هذه النزعة إلى تضخيم الظاهرة وتحميلها ما يفوق طاقتها التفسيرية تُظهر آلية شائعة في تاريخ دراسة الظواهر الخارقة، حيث تتحوّل الوقائع المحدودة إلى ركيزة لبناء سرديات هشّة.
ضرورة الفصل بين الظاهرة والسياق
تكشف هذه الحالات عن قاعدة منهجية أساسية: ضرورة التمييز بين الظاهرة القابلة للتوثيق والسياق الميتافيزيقي الذي تُدرج فيه. فالمنهج العلمي لا يجيز إلغاء الظواهر لمجرد ورودها في إطار غير علمي، كما لا يسمح في المقابل بتبنّي هذا الإطار بدعوى وجود شواهد أولية غير مفسّرة (Cardeña, Palmer, & Marcusson-Clavertz 2015). المطلوب إذن موقف محايد يتعامل مع هذه الظواهر كوقائع جزئية تنتظر إطارًا نظريًا ناضجًا قادرًا على تفسيرها.
إنّ دراسة الظواهر الخارقة تستلزم التزامًا بالموضوعية العلمية دون الانزلاق إلى الإقصاء أو الانبهار. فهي حقول بحثية تستدعي التوثيق والتجريب، لكن من الخطأ إدماجها في أنساق ثيوصوفية أو ميتافيزيقية تفتقر إلى البرهان. ومن هنا تأتي الحاجة إلى رؤية علمية نقدية تُبقي الباب مفتوحًا أمام البحث، دون أن تسمح بانزلاق الظواهر الموثوقة إلى توظيفات أيديولوجية أو خيالية.
المراجع
• Alvarado, Carlos S. Historical Notes on Psychical Research and Parapsychology in the 19th Century. Journal of Scientific Exploration, 2019.
• Baker, Robert A. They Call It Hypnosis. Buffalo: Prometheus Books, 1990.
• Braude, Stephen. The Gold Leaf Lady and Other Parapsychological Investigations. Chicago: University of Chicago Press, 2007.
• Cardeña, Etzel, John Palmer, and David Marcusson-Clavertz (eds.). Parapsychology: A Handbook for the 21st Century. Jefferson, NC: McFarland, 2015.
• Clark, Jerome. The UFO Book: Encyclopedia of the Extraterrestrial. Detroit: Visible Ink Press, 2002.
• Godwin, Joscelyn. The Theosophical Enlightenment. Albany: SUNY Press, 1994.
• Goodrick-Clarke, Nicholas. The Western Esoteric Traditions: A Historical Introduction. Oxford: Oxford University Press, 2008.
