
يُنظر إلى الإنسان بوصفه الكائن الأذكى على سطح الأرض، بما امتلكه من قدرات عقلية مكّنته من بناء الحضارات وإنتاج المعارف المتراكمة عبر آلاف السنين. ومع ذلك، يظلّ هذا العقل، على الرغم من تفوقه، عاجزًا أمام طيف واسع من المعضلات الفكرية والفلسفية التي استعصت على الحل منذ فجر التاريخ. هذه المفارقة تكشف عن حدود المعرفة الإنسانية، وتفتح المجال للتساؤل حول طبيعة الكيان البشري وعلاقته بالواقع الذي يظنّ أنه أحاط به علمًا.
حدود المعرفة العلمية
يرتكز المشروع العلمي الحديث على فرضية مفادها أن أدوات العلم التجريبي قادرة، من حيث المبدأ، على تفسير جميع الظواهر وإزالة أي غموض معرفي. غير أن التجربة التاريخية أثبتت خلاف ذلك. فالعلم، مهما اتسعت مناهجه، يبقى محكومًا بإطار الزمان والمكان، وبالتبعية، فهو غير قادر على معالجة الأسئلة التي تتجاوز هذا الإطار. وبذلك، تبقى المعضلات الوجودية ملازمة للإنسان، لا بوصفها مشكلات قابلة للحل ضمن مناهج العلم، بل بوصفها جزءًا من حدود الوعي البشري ذاته.
التناقض الوجودي
ينكشف جوهر المفارقة في الطبيعة المزدوجة للإنسان: فهو كائن منتمٍ إلى الطبيعة من حيث التطور البيولوجي، لكنه في سلوكه كثيرًا ما يتموضع خارجها أو حتى في مواجهتها. هذا التناقض يطرح إشكالية معرفية عميقة، إذ يجعل الإنسان في حاجة إلى إطار تفسيري لا يقتصر على العلم الطبيعي وحده، بل يستدعي مصادر معرفية أخرى قادرة على معالجة الأسئلة التي تتعلق بمعنى الوجود وغايته.
أبدية العذاب كمثال إشكالي
من أبرز الإشكالات التي ظلّت محورًا للنقاش الفلسفي والديني مسألة الخلود في العذاب الأخروي: كيف يمكن التوفيق بين محدودية الحياة الدنيا بالسنوات، وبين أبدية العقوبة في النار؟ من منظور عقلي صرف، يبدو السؤال محرجًا؛ إذ يثير شبهة التعارض بين العدالة الإلهية وطبيعة العقوبة. غير أن النص القرآني يقدّم مدخلًا لفهم هذه المسألة، كما في قوله تعالى:
{وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 27-28].
الآيات توضّح أن المشكلة ليست في طول الحياة أو قصرها، بل في ثبات الهوية الإنسانية واختياراتها الجوهرية. فلو أعيد أصحاب النار إلى الحياة مرات لا حصر لها، لبقوا على ذات الموقف الوجودي الذي اتخذوه أول مرة.
وحدة الهوية وتعدد السيناريوهات
يتيح هذا المنظور فهمًا جديدًا للمفارقة: فالهويّة الإنسانية ليست رهينة سيناريو حياتي واحد، بل هي ثابتة عبر احتمالات متعددة. يوسف، مثلًا، لو عاش حيوات لا متناهية، لبقي في كل مرة عبدًا صالحًا ونبيًا مصطفى. وعلى النقيض، فرعون، مهما اختلفت السيناريوهات التي قد يُفترض أن يحياها، سيبقى طاغية متمردًا. وهكذا، فإن أبدية الثواب أو العقاب لا تُفهم على أساس المدة الزمنية بقدر ما تُفهم على أساس ثبات الهوية واختياراتها.
تُظهر هذه المفارقة أن العقل الإنساني، رغم قدرته التحليلية الفائقة، لا يستطيع وحده معالجة الأسئلة التي تتجاوز نطاق الزمان والمكان. فالمعضلات الفكرية الكبرى، مثل معنى العذاب الأبدي أو سرّ تمرّد الإنسان على الطبيعة، تكشف حدود المنهج العلمي، وتستدعي النظر في مصادر معرفية مغايرة، مثل الوحي الديني. بهذا المعنى، يصبح العلم أداة لا غنى عنها، لكنه ليس كافيًا لإعطاء إجابات نهائية عن القضايا الوجودية، بينما يظلّ الدين إطارًا مكمّلًا يكشف ما لا يبلغه العقل مهما اتسع أفقه.
