
تشهد الساحة الثقافية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة تحولات عميقة اتخذت، في كثير من مظاهرها، طابع الانحطاط والإسفاف. فقد غدت الفنون السردية والتمثيلية ـ من رواية وقصة قصيرة وسينما ومسرح ـ مجالًا لتكريس نزعات فردانية مفرطة وأنانية متضخمة، تتغذى على خطاب يربط الحرية بالتمرد غير المنضبط، ويحتفي بالثورة المنفلتة على الطبيعة وقوانينها. هذه الظاهرة، على الرغم من تنوع أشكالها وتجلياتها، تلتقي في تكريس حس لا أخلاقي يضع “الأنا” في موقع التفوق على حساب “الآخر”، ويعيد تشكيل الثقافة كفضاء للصراع بدلًا من أن تكون وسيطًا للتفاهم أو الإثراء المشترك.
الفردانية المفرطة وتآكل البعد الاجتماعي
أحد أبرز الملامح التي يمكن رصدها في هذا السياق هو النزوع المستمر نحو تمجيد الفرد على حساب الجماعة. فالمتلقي يُعاد تشكيله، عبر المنتج الثقافي، ليصبح ذاتًا لا ترى في الآخر سوى تهديد وجودي يجب إقصاؤه أو التغلب عليه. وبهذا المعنى، تتحول القيم الثقافية إلى أدوات ترسخ المنافسة الصراعية، حيث يُعاد تعريف النجاح والتميز بقدر ما يستطيع الفرد أن يفرض نفوذه، بغض النظر عن النتائج المترتبة على ذلك على الصعيد الاجتماعي أو البيئي.
التمثيل الثقافي للشذوذ والخروج عن الطبيعة
من بين أبرز مظاهر هذا الانحراف الثقافي، يبرز التوظيف المكثف للسلوكيات الشاذة أو الخارجة عن النمط الطبيعي، بوصفها رموزًا للتمرد والتحرر. فقد غدت الأعمال الفنية، لا سيما في السينما والمسلسلات، منصات للترويج لتنوعات جنسية وسلوكية تتعارض مع ما استقرّت عليه الطبيعة عبر ملايين السنين من الانتقاء والتثبيت. إن الثنائية البيولوجية بين الذكر والأنثى تمثل خيارًا كونياً يعكس آلية الطبيعة في ضمان بقاء النوع واستمراره. الخروج على هذا النمط، من منظور أكاديمي نقدي، لا يمكن قراءته إلا كتعبير عن نزعة ثقافية تسعى لإعادة صياغة قوانين الطبيعة وفق أهواء الإنسان، متجاهلةً الطابع الكوني الذي يجعل هذه القوانين غير قابلة للتجاوز.
الأبعاد البيئية والحضارية للخروج على الطبيعة
تنعكس هذه النزعة الثقافية، في مستوى أوسع، على علاقة الحضارة الغربية بالبيئة والطبيعة. فالإصرار على إعادة تعريف القوانين الطبيعية يقابله في الميدان العملي مظاهر تدهور بيئي واسع: من التغير المناخي إلى التلوث والتدهور المنهجي للتنوع الحيوي. إن هذه النتائج ليست سوى الوجه الآخر للتمرد الثقافي، حيث يصبح الانفصال عن الطبيعة خيارًا حضاريًا ينعكس في جميع الميادين، من الفن إلى الاقتصاد والسياسة. وهو خيار ينطوي، بالضرورة، على تهديد مباشر لاستدامة الحضارة ذاتها.
إن قراءة المشهد الثقافي المعاصر في الغرب تكشف عن مسار متسارع نحو الانفصال عن الطبيعة وقوانينها. هذا المسار، بما يتضمنه من نزعات فردانية، وتمثيلات للشذوذ، وتدهور في القيم الجماعية، لا يعبر عن حيوية ثقافية أو عن تطور إبداعي، بقدر ما يمثل انحرافًا بنيويًا يقود إلى مأزق حضاري. وإذا كانت الثقافة أداة لصياغة وعي جماعي، فإن الإصرار على تكريس قيم اللامبالاة والتمرد المنفلت لا يمكن أن ينتهي إلا إلى تهديد استمرارية المشروع الحضاري الغربي ذاته.
