الحكمة الإلهية بين المشيئة والسنن… مقاربة تحليلية

يخطئ بعض المتسرِّعين حين يتوهَّمون أن مشيئة الله تعالى تعمل بطريقة مزاجية أو كيفية، فيرون في الآيات التي ورد فيها:
• (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (المدثر: 31)،
• (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) (البقرة: 248)،
• (وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (النحل: 93)،
دليلاً على أن العلاقة بين الله وعباده محكومة بالاعتباط أو الهوى. وهذا التأويل السطحي لا يختلف في جوهره عن إسقاط الصفات البشرية على الإلهي، في نزعة أنثروبومورفية تنزع القداسة عن النص وتختزل المعنى في صورة بشرية مشوَّهة.

المشيئة الإلهية والسنن الكونية

القرآن الكريم يبيّن بوضوح أن مشيئة الله لا تعمل خارج نظامٍ من القوانين الثابتة التي سمّاها “سننًا”. فالهداية والضلال، والمغفرة والعذاب، ليست أفعالاً منعزلة عن تلك السنن، بل تتجلّى عبرها. فالآيات تؤكد مثلاً: (مَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) (الطلاق: 2)، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت: 69). أي أن مشيئة الله بالهداية مرتبطة بسنن التقوى والجهاد في طلب الحق، بينما الضلال مقرون بالإعراض والعناد: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (الصف: 5). بذلك يتضح أن الهداية والضلال تجريان وفق منطق سببي ثابت، لا وفق نزوةٍ أو مزاج.

المسؤولية الإنسانية ومجال الاختيار

لا تعني مشيئة الله بالهداية أو الضلال انتفاء حرية الإنسان، بل تؤكد مسؤوليته. فالمشيئة هنا ليست مصادرةً على الاختيار، وإنما تجسيد لنتيجته. الإنسان يختار، ثم تأتي مشيئة الله لتُجري عليه مقتضى اختياره ضمن السنن الإلهية. من استجاب لداعي الحق استحقّ الهداية، ومن أعرض أو كابر استوجب الضلال. وهذا ما يفسّر انسجام النصوص القرآنية التي ترد فيها عبارات مثل: (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (الشورى: 30) مع النصوص التي تنسب الفعل إلى الله. فالمستويان متكاملان: مستوى الاختيار البشري، ومستوى المشيئة الإلهية التي تجري ضمن النظام الكوني والشرعي.

البعد الفلسفي: بين الحرية والمشيئة

القضية في جوهرها هي سؤال فلسفي عميق: كيف يمكن التوفيق بين حرية الإنسان والمشيئة الإلهية؟ النص القرآني لا يقدّم معادلةً ميتافيزيقية مغلقة، بل يفتح المجال لفهم جدلي يتجاوز التناقض الظاهري. فالمشيئة الإلهية ليست مزاحِمة لإرادة الإنسان، وإنما هي الإطار الكلي الذي يمنح لإرادته مجال الفعل والمعنى. أي أن حرية الإنسان تتحقق داخل أفق المشيئة، لا خارجها ولا ضدها. من هنا يزول الوهم القائل بوجود “مزاجية” إلهية، إذ المشيئة تعمل بمنطق الضرورة الحكيمة، لا العشوائية.

نقد التفسير السطحي

القراءات التي تتعامل مع عبارات مثل (مَن يَشَاءُ) بمعزل عن السياق القرآني العام، تقع في مغالطة التجزيء النصي، حيث يُنتزع النص من منظومته ويُقرأ بشكل معزول. والنتيجة: تصور مضلل لله تعالى بوصفه إلهاً اعتباطياً، بينما القرآن يرسّخ صورة الإله الحكيم الذي يخضع كل فعل من أفعاله لنظام عادل دقيق.

إن الاعتقاد بأن الحكمة الإلهية تتسم بالمزاجية وهمٌ مردود، منشؤه القراءة السطحية للنص القرآني. فالهداية والضلال والمغفرة والعذاب كلها أفعال تجري ضمن سنن إلهية راسخة، تُظهر انسجام المشيئة مع حرية الإنسان واختياره، وتؤكد أن كل فعل إلهي مؤسس على الحكمة والعدل. بذلك ينكشف أن النص القرآني لا يعكس عشوائية، بل يقدّم رؤية متكاملة حيث المشيئة الإلهية تتجلى في نظام كوني وأخلاقي صارم، هو عين العدل والرحمة في آن.

أضف تعليق