العلم والدين… دراسة في حدود الاختصاص وجدلية التداخل المعرفي

تتناول هذه المقالة إشكالية العلاقة بين العلم والدين من منظور جدلي يتأسس على تبادل الاتهامات بين بعض العلماء ورجال الدين. إذ يرى العلماء أن رجال الدين يتجاوزون اختصاصهم حين يخوضون في النظريات والتجارب العلمية المعقدة دون امتلاك أدوات البحث العلمي. وفي المقابل، يتهم رجال الدين بعض العلماء بأنهم يناقشون قضايا دينية دقيقة دون التكوين المعرفي اللازم في العلوم الشرعية واللغوية. تهدف هذه المقالة إلى تحليل هذا الجدل، والكشف عن أسبابه المعرفية، ثم اقتراح إطار للتعامل معه يقوم على احترام الحدود التخصصية بين المجالين.
العلاقة بين العلم والدين مثّلت محورًا لجدل فكري متواصل منذ العصور الوسطى وحتى اللحظة الراهنة. ويتركّز هذا الجدل في سؤال أساسي: هل يمكن لأحد الطرفين أن يتدخل في مجال الآخر دون إخلال بالموضوعية والمنهجية؟ تبرز أهمية هذا السؤال في ضوء الواقع المعاصر حيث يتزايد انخراط رجال الدين في مناقشة القضايا العلمية، ويوازيه انخراط بعض العلماء في تفسير النصوص الدينية.
الإشكالية المركزية التي تسعى هذه المقالة إلى معالجتها تتمثل في:
ما هي حدود اختصاص كل من العلم والدين؟
ما طبيعة الاتهامات المتبادلة بين العلماء ورجال الدين في هذا السياق؟
كيف يمكن صياغة إطار تنظيمي يحافظ على خصوصية كل مجال دون إلغاء الآخر؟
تعتمد المقالة على منهج تحليلي-مقارن، يقوم بمقاربة المواقف المتبادلة للطرفين، وتحليلها ضمن سياق معرفي أوسع يميّز بين آليات إنتاج المعرفة في كل من العلم والدين.
يرى العديد من العلماء أن تناول رجال الدين لقضايا علمية معقدة، مثل الفيزياء النظرية أو البيولوجيا الجزيئية، يتم غالبًا دون امتلاك تأهيل معرفي كافٍ. فالنظريات العلمية تقوم على سنوات طويلة من الدراسة والتجريب والاختبار، ويصعب اختزالها في مقولات عامة أو إسقاطات دينية مباشرة. هذا التدخل يُنظر إليه كنوع من التبسيط غير المنهجي الذي يضر بالعلم ويشوّه صورته لدى العامة.
من منظور رجال الدين، تمثل القضايا العقدية والفقهية واللغوية مجالًا معرفيًا متكاملًا يحتاج إلى سنوات من الدراسة المتخصصة. ولذلك، فإن محاولة بعض العلماء مناقشة النصوص الدينية أو إبداء الرأي في قضايا عقائدية تُعدّ، في نظرهم، خروجًا عن حدود الاختصاص، بما يؤدي إلى نتائج سطحية قد تسيء إلى الخطاب الديني وتُفقده دقته المنهجية.
يمكن تفسير هذا التوتر على أساس غياب التمييز بين طبيعة المعرفة العلمية والمعرفة الدينية:
المعرفة العلمية: تقوم على الملاحظة، والتجريب، والتحقق القابل للتكرار.
المعرفة الدينية: تقوم على النصوص المقدسة، والتأويل، والبعد الغيبي والوجودي.
وينشأ التعارض حين يُحاول العلماء إخضاع الغيب والمعجزات لمقاييس العلم، أو حين يحاول رجال الدين تقييم النظريات العلمية بأدوات التأويل الديني.
تقترح هذه المقالة إطارًا يقوم على مبدأ احترام الحدود التخصصية:
على رجال الدين الامتناع عن إصدار أحكام على النظريات والتجارب العلمية التي تتطلب منهجيات خارج نطاق علومهم.
على العلماء تجنّب التفسيرات الدينية أو النقاش في القضايا العقدية التي تحتاج إلى تأهيل شرعي ولغوي متخصص.
هذا الإطار لا يهدف إلى الفصل التام بين العلم والدين، بل إلى صون خصوصية كل منهما بما يحفظ موضوعيتهما ويحول دون التداخل غير المشروع.

يتضح أن جذور الجدل بين العلم والدين تكمن في تجاوز الأفراد للحدود المعرفية لمجالاتهم. إن الالتزام باحترام هذه الحدود هو السبيل الأمثل لتحويل العلاقة من صراع قائم على الاتهام المتبادل إلى حوار يقوم على التكامل والاعتراف المتبادل. وبذلك، يمكن أن يتعايش المجالان في خدمة الإنسان دون أن يلغي أحدهما الآخر.

أضف تعليق