متلازمة السيجار الصحي… بين المفارقة العقلية وخداع السوق

تُشكّل متلازمة السيجار الصحي نموذجًا صارخًا لمفارقات الإنسان المعاصر. إنها ليست مجرد حالة فردية لرجل يصرّ على تدخين سيجار “عضوي” بدعوى أنه أقل ضررًا، بل هي انعكاس لبنية عقلية وحضارية أشمل. نحن أمام مفارقة مزدوجة: من جهة، عقل يحاول أن يبرر السلوك غير الطبيعي عبر خطاب “الطبيعة”، ومن جهة أخرى منظومة اجتماعية واقتصادية تستثمر في هذا التبرير وتحوّله إلى منتج استهلاكي مربح.

البعد الفلسفي: المفارقة بين العقل والوهم

من حيث الجوهر، تعكس هذه المتلازمة خللاً في آليات التفكير الإنساني.
• الخلط بين الطبيعي والصحيح: فالعقل ينخدع بمظهر “الطبيعية” لينسى أن الطبيعي ليس بالضرورة صحيًا أو صالحًا؛ فالسم قد يكون نباتيًا، والزهر قد يخفي في رائحته مادة سامة.
• التناقض بين المعرفة والممارسة: الإنسان يعلم – بالبرهان العلمي – أن التدخين مضر، لكنه يبحث عن صياغة خطابية تتيح له الاستمرار في الممارسة دون صراع داخلي. هنا يصبح “السيجار العضوي” وسيلة عقلية للهروب من مواجهة الحقيقة.
• العقل كمُنتِج للوهم: بدلاً من أن يكون العقل أداة للتمييز بين الحق والباطل، يتحول في هذه الحالة إلى أداة لإنتاج الوهم المريح.

البعد السوسيولوجي: السوق كمنتج للانحراف

هذه المتلازمة لا يمكن فهمها بمعزل عن ديناميات السوق الحديثة.
• تسليع الطبيعة: كل ما هو “طبيعي” يُختزل إلى ملصق تجاري: سيجار عضوي، كحول عضوي، حتى وجبات سريعة عضوية! الطبيعة تُختزل إلى علامة تجارية فارغة من مضمونها.
• ثقافة التبرير الجماعي: لم يعد الفرد وحيدًا في وهمه؛ بل يجد مجتمعًا كاملاً يشاركه المبرر ذاته، مما يحوّل الانحراف الفردي إلى ثقافة عامة مُطبّعة.
• الاقتصاد كمولّد للأوهام: الرأسمالية المتأخرة لم تعد تكتفي بتسويق المنتجات، بل صارت تسوّق الوهم نفسه، وتعيد تغليفه كقيمة جديدة.

التوازي مع الانحطاط الفني

كما رأينا في الجزء الأول من هذا المشروع الفكري، فإن الانحطاط الفني يقوم على تجميل الشاذ وتسويقه بوصفه إبداعًا. الأمر نفسه يتكرر هنا: تجميل الضار وتسويقه بوصفه طبيعيًا. وفي الحالتين، يكون القاسم المشترك هو تفكيك المعايير وتذويب الحدود بين الصحيح والفاسد، بين الجميل والقبيح، بين الصحي والمرضي.

دلالات حضارية

إنّ متلازمة السيجار الصحي ليست ظاهرة سطحية، بل هي علامة على أزمة حضارية عميقة:
• أزمة في العقل: إذ يفقد الإنسان القدرة على مواجهة الحقائق كما هي، فيستعيض عنها بخطابات تبريرية.
• أزمة في المجتمع: حيث تتماهى الثقافة العامة مع آليات السوق وتمنح الشرعية للوهم.
• أزمة في الحضارة: إذ تتكامل هذه الآليات مع انحطاط الفن والأخلاق، لتشكل لوحة متكاملة لما يمكن تسميته بـ”نهاية الحداثة”.

إنّ “السيجار الصحي” ليس مجرد مفارقة طريفة، بل هو رمز كثيف لمعضلة الإنسان في زمن الانحطاط: كيف يُصرّ على الجمع بين اللذة والخداع، بين السلوك غير الطبيعي وادعاء العودة إلى الطبيعة، بين الضرر والتسويق على أنه صحة.
إنها مفارقة تكشف أن الحضارة الغربية في طورها الراهن لم تعد تواجه أزمة قيم فحسب، بل أزمة عقل جمعي بات عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والوهم، وعن مواجهة ذاته دون أقنعة تسويقية. وهنا تتبدّى ملامح حضارة تسير – كما قال شبنغلر – نحو أفولها الحتمي.

أضف تعليق