
تثير الطبيعة البشرية أسئلة جوهرية حول ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات الحية. ومن بين الخصائص اللافتة التي تستحق البحث والدراسة قدرة الإنسان على الانقلاب المزاجي اللحظي (Snapping)، أي التحول السريع وغير المتوقع من حالة وجدانية أو سلوكية إلى حالة مضادة تمامًا. يتجلى ذلك في الانتقال من أقصى درجات السعادة والطمأنينة إلى مستويات قصوى من العدوانية أو العنف في لحظة واحدة. تمثل هذه الظاهرة محورًا مهمًا لفهم السلوك الإنساني، لاسيما في ضوء الجرائم التي يُطلق عليها اصطلاحًا “الجرائم العاطفية” (Crimes of Passion)، حيث يأتي الفعل الإجرامي غالبًا من طرف لا يُتوقع منه مثل هذا السلوك.
الإنسان والحيوان: أنماط السلوك وحدود التنبؤ
السلوك الحيواني، في مجمله، محكوم بآليات بيولوجية وغريزية ترتبط بالبقاء والتكاثر والدفاع عن النفس. ورغم وجود تباينات بين الأنواع، إلا أن هذه الأنماط تظل قابلة للتنبؤ بدرجة كبيرة. فالمفترس يهاجم بدافع الحاجة إلى الغذاء أو حماية المجال الحيوي، والفريسة تهرب استجابة لتهديد مباشر.
على النقيض من ذلك، يمتاز السلوك الإنساني بدرجة عالية من عدم القدرة على التنبؤ، وذلك نتيجة مرونة البنية العصبية والنفسية، وما يتبعها من قابلية للتحولات المزاجية الفجائية. هذه الخاصية تجعل الإنسان كائنًا ذا إمكانات واسعة، لكنها في الوقت نفسه تضفي عليه مستوى غير مسبوق من الخطورة.
الأسس العصبية والنفسية للانقلاب المزاجي
تشير الدراسات العصبية إلى أن الانقلاب المزاجي يرتبط باختلال التوازن بين الجهاز الحوفي، المسؤول عن الانفعالات، والقشرة الجبهية الأمامية، المسؤولة عن التنظيم المعرفي والضبط السلوكي. في ظروف معينة، كحالات الضغط النفسي الشديد أو الأزمات العاطفية، قد يحدث تعطيل مؤقت لآليات الضبط، مما يؤدي إلى اندفاعات سلوكية مفاجئة تتسم بالعنف أو العدوانية.
هذا النمط من التحولات اللحظية يندر وجوده لدى الحيوانات، حيث تبقى استجاباتها مقيدة بدوافع غريزية محددة وواضحة، الأمر الذي يبرز تمايز الإنسان في هذا الجانب.
البعد التطوري
تطرح ظاهرة الانقلاب المزاجي إشكالية تطورية بالغة الأهمية. فإذا كان الإنسان امتدادًا لمسار تطوري طويل تشترك فيه الكائنات الحية، فكيف نُفسر نشوء خاصية تبدو مناقضة لآليات السلوك الحيواني؟
يمكن النظر إلى هذه الظاهرة بوصفها نتيجة لتطور القدرات الرمزية واللغوية والمعرفية، التي حررت الإنسان نسبيًا من القيود الغريزية الصارمة. غير أن هذا التحرر أفضى في المقابل إلى نشوء مساحات أكبر من عدم الاستقرار الانفعالي، حيث لم تعد الاستجابات محكومة حصراً بالبيولوجيا، بل صارت خاضعة لتعقيدات اجتماعية ونفسية وثقافية.
الانعكاسات الاجتماعية والقانونية
يشكل الانقلاب المزاجي تحديًا أمام الأنظمة الاجتماعية والقانونية، نظرًا لكونه مسؤولًا عن سلوكيات يصعب التنبؤ بها أو الوقاية منها، خصوصًا في نطاق العلاقات الشخصية الحميمة. ومن هنا تأتي أهمية مقاربة هذه الظاهرة من منظور متداخل الاختصاصات، يجمع بين علم الأعصاب، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والقانون، لفهمها والحد من تبعاتها.
يمثل الانقلاب المزاجي خاصية إنسانية فريدة لا نجد مثيلًا لها بنفس الحدّة في عالم الحيوان. هذه الظاهرة، التي تكشف عن التوتر البنيوي بين القدرة على الضبط المعرفي والانفلات الانفعالي، تجعل الإنسان كائنًا متميزًا من جهة، وخطيرًا من جهة أخرى. إن دراستها لا تساهم فقط في تعميق الفهم العلمي للسلوك الإنساني، بل تفتح أيضًا آفاقًا لتطوير آليات وقائية وتشريعية أكثر فعالية في التعامل مع ما يترتب عنها من ظواهر اجتماعية وقانونية.
