
يشكّل مفهوم المجال الحيوي (Lebensraum) أحد المفاتيح لفهم علاقة الكائنات الحية ببيئاتها. ففي عالم الحيوان، يُحدّد المجال الحيوي بدقة صارمة تمليها الطبيعة، بحيث يخضع الكائن لحدود جغرافية وغذائية وتكاثرية متناسبة مع منفعته الفردية والجماعية. أما عند الإنسان، فإن هذا المجال لم يلبث أن تحوّل إلى نزعة توسعية استعمارية، تُغلف نفسها بادعاءات أخلاقية وحقوقية، كالتبشير بالتمدين والتحضر، لكنها في جوهرها تعبير عن طغيان لا يعرف حدودًا.
المجال الحيوي عند الحيوان: حدود الطبيعة
الحيوان، بفطرته وغرائزه، يلتزم بمجال محدّد ترسمه الطبيعة وفق حاجاته. فالمفترس لا يتعدى إقليم صيده إلا نادرًا، والقطيع لا يبرح مرابعه إلا لضرورة الهجرة الموسمية، وحتى أوسع الحيوانات ترحالًا تظل حركتها خاضعة لمعادلة بيئية صارمة: الغذاء، الماء، والتكاثر. إنّ الطبيعة هي التي ترسم الحدود وتجعل أي تجاوز لها محكومًا بالفناء، فلا وجود لـ”نزعة استعمارية” عند الحيوان بالمعنى الإنساني.
المجال الحيوي عند الإنسان: التوسع والاستعمار
بخلاف الحيوان، لم يعد الإنسان يرضى بحدود المجال الذي تفرضه الطبيعة. فقد ابتكر لنفسه مبررات أيديولوجية وأخلاقية لتجاوز تلك الحدود، فاستعمر الأرض والإنسان معًا، مدعيًا أن هذا حقه الطبيعي والشرعي والأخلاقي. ومن هنا ظهرت مقولات مثل “عبء الرجل الأبيض” أو “رسالة التمدين”، التي زعمت أن الشعوب المستعمَرة لا سبيل لها إلى الخلاص من الجهل والتخلف إلا بتدخل المستعمر.
هذا التبرير لم يكن إلا قناعًا يخفي نزعة توسعية لا تحدها الجغرافيا ولا تلجمها القوانين الطبيعية. وبذلك انفلت المجال الحيوي للإنسان من كونه مجالًا طبيعيًا بيئيًا إلى كونه مجالًا سياسيًا وأيديولوجيًا، يخضع لقوانين القوة والتغلب لا لقوانين الطبيعة.
التساؤل عن الأصل البيولوجي
هنا يثور سؤال محوري: إذا كان الإنسان نتاج تطور بيولوجي ممتد، فكيف نفسر النزعة الاستعمارية التي لا نجد لها أصلًا في عالم الحيوان؟
هل هي وليدة العقل البشري بما يمتلك من قدرة على التخيل والهيمنة الرمزية؟
أم أنها انحراف عن الطبيعة البيولوجية الأصلية باتجاه بناء اجتماعي-ثقافي صنعته السلطة والقوة؟
اللافت أن التاريخ التطوري للحيوان لا يسجل أي نزعة استعمارية بالمعنى الإنساني؛ فالحيوان لا يسعى إلى إخضاع نوع آخر بدعوى إنقاذه من “التخلف”، ولا يبرر لنفسه التوسع خارج مجاله الحيوي إلا بضرورات بقاء بسيطة. وهذا يطرح فرضية أن الاستعمار البشري ليس امتدادًا طبيعيًا للبيولوجيا، بل هو إفراط ثقافي أفرزه العقل حين انفلت من قيود الطبيعة.
إن المقارنة بين المجال الحيوي للحيوان والمجال الحيوي للإنسان تضعنا أمام مفارقة لافتة: الحيوان محدود بحدود الطبيعة، بينما الإنسان يرفض هذه الحدود مدعيًا حقه في تجاوزها. لكن هذا التجاوز، إذ يغلف نفسه بخطاب أخلاقي، يكشف عن جوهره الاستعماري الذي لا يجد ما يبرره في البيولوجيا بل في انحراف الثقافة والسياسة. ومن هنا فإن دراسة النزعة الاستعمارية للإنسان لا بد أن تُقارب بوصفها انفصالًا عن الحيوان لا امتدادًا له، وكسلوك يعكس خطورة العقل حين يطغى على حدود الطبيعة.
