في معنى قَولِهِ تعالى “أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ”

القرآنُ يفسِّرُ بعضُه بعضاً” منهجٌ نصحَنا به الرعيلُ الأول من مفسِّري القرآن الذين أرادوا أن يكفوا كلَّ مَن يبتغي أن يفهمَ النصَّ القرآنيَّ الكريم مشقةَ البحث هنا وهناك عما يُيسِّر له هذا الفهم. فبإمكانِنا أن نعتمدَ هذا النهجَ في مقاربةٍ تفسيريةٍ لقولِ اللهِ تعالى (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (من 54 النساء)، وذلك بتدبُّرِنا الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ((105 البقرة).
2- (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ( (29 الحديد).
3- (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (من 73- 74 آل عِمران).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ قَولِ اللهِ تعالى “أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ” بدلالةٍ من الآياتِ الكريمةِ أعلاه، أنَّ الذين كفروا من أهلِ الكتاب إنما كانوا يحسدون رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم على ما آتاه اللهُ من عظيمِ فضلِه إذ اختصَّه بقرآنِه العظيم: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا( (من 113 النساء).
ولقد ذكَّرَ اللهُ تعالى أهلَ الكتاب بما كانوا يعلمونه علمَ اليقين بشأن الهويةِ الحقيقية للنبي الأمي “الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراةِ والإنجيل”: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (من 156- 157 الأعراف).
فالحاسدون من أهلِ الكتابِ إذاً كانوا يعلمون أنَّ النبيَّ الأمي محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم هو من آلِ إبراهيم الذين آتاهم اللهُ تعالى الكتابَ والحكمةَ وآتاهم مُلكاً عظيماً: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) (54 النساء). فأيُّ عذرٍ لهم بعدها؟!

أضف تعليق