
إن الحكم على الأديان لا ينبغي أن يكون من خلال سلوكيات أتباعها، بل يجب أن يكون الدين هو المعيار الذي تُحاكم به أفعال المتدينين. هذه الفكرة ليست مجرد مقولة فلسفية، بل هي حجر الزاوية في فهم العلاقة بين الإيمان والسلوك الإنساني. إنها تمثل منهجًا رشيدًا وواقعيًا للتعامل مع التنوع الديني، وتجنب فخ التعميمات التي تسيء إلى الأديان وتغذي الكراهية.
الدين في جوهره هو منظومة قيم ومبادئ إلهية أو روحية، تهدف إلى تهذيب النفس البشرية وتوجيهها نحو الخير والعدل والرحمة. إنه بمثابة دستور أخلاقي ينظم حياة الفرد والمجتمع. في المقابل، يظل المتدينون بشرًا، يعتريهم النقص والخطأ، وتتأثر أفعالهم بظروفهم الثقافية والاجتماعية والنفسية. قد يُخطئون، وقد يسيئون فهم تعاليم دينهم، وقد يرتكبون فظائع باسمه.
إن الخلط بين هذين الأمرين يؤدي إلى نتائج كارثية. فمثلاً، عندما يمارس بعض الأفراد العنف أو الإرهاب ويدّعون أنهم يفعلون ذلك باسم دين معين، فإن الحكم على هذا الدين بأكمله بأنه دين عنف، هو ظلم مزدوج. إنه ظلم للدين الذي يحضّ على السلام، وظلم لأغلبية أتباعه المسالمين.
يجب النظر إلى الدين كبوصلة أخلاقية ترشد البشر، لا كمرآة تعكس سلوكياتهم المنحرفة. فإذا رأينا شخصًا يدّعي الالتزام بدين ما ولكنه يمارس الفساد أو الظلم، فإن المنهج الصحيح ليس في إدانة الدين، بل في إدانة فعل هذا الشخص ومقارنته بالمبادئ الأصيلة لدينه. هذا المنهج يعيد الأمور إلى نصابها، ويُسهم في التمييز بين الحق والباطل، وبين الصواب والخطأ.
إن هذا المنهج يسمح لنا بالتعامل مع التناقضات الظاهرة بذكاء، فعندما نرى سلوكًا سيئًا منسوبًا إلى دين ما، نسأل: “هل هذا السلوك يتوافق مع تعاليم الدين؟” غالبًا ما يكون الجواب بالنفي. وبهذا، ننزع الشرعية عن الأفعال السيئة، ونُبطل حجج أولئك الذين يحاولون تبريرها باسم الدين.
إن التعامل مع الدين والمتدينين يجب أن يكون وفق هذا المنهج. لا ينبغي أن نسمح لأفعال المتطرفين أن تحدد نظرتنا إلى الأديان. بدلاً من ذلك، يجب علينا أن نركز على دراسة النصوص الأصلية والمبادئ الجوهرية لكل دين، وأن نتعرف على النماذج الإنسانية المضيئة التي طبقت تلك المبادئ بحق. هذا المنهج يفتح الباب للحوار والتعايش، ويُسهم في بناء جسور التفاهم بدلاً من جدران الكراهية.
