
تشهد الحرب الروسية–الأوكرانية المستمرة منذ فبراير 2022 حالة من التعقيد المتزايد، بحيث يصعب تقديم قراءة استراتيجية دقيقة من دون تحليل القوى الفاعلة على الأرض، وفهم تباين أوزانها العسكرية والسياسية والاقتصادية. فالمشهد لا يقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل يتداخل مع الحسابات الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية للقوى الكبرى. تهدف هذه الورقة إلى تقديم مقاربة متوازنة للوضع الراهن، مع استشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة على المدى المنظور.
القوى الفاعلة على الأرض
روسيا
تظل روسيا الطرف الأكثر قدرة على تحريك قوات كبيرة، مدعومة بترسانة صاروخية ومسيرات هجومية، ما يمنحها تفوقاً تكتيكياً في استهداف العمق الأوكراني. وقد انعكس ذلك على مكاسب ميدانية متقطعة، خصوصاً في بعض المناطق الشرقية والجنوبية.
غير أن هذا التفوق يواجه تحديات تتعلق بالاستنزاف البشري والاقتصادي، وبالحاجة إلى الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية الروسية تحت وطأة العقوبات الغربية.
أوكرانيا
على الرغم من محدودية مواردها الذاتية، فإن أوكرانيا أظهرت قدرة على الصمود بفعل الدعم الغربي، وعلى الابتكار في تكتيكات الحرب غير المتكافئة (مثل استخدام الطائرات المسيرة محلية الصنع، والاستفادة من أنظمة دفاعية حديثة كالباتريوت). إلا أن استمرار الحرب يثقل بنيتها الاقتصادية والبشرية، ويجعلها معتمدة بشكل شبه كامل على المساعدات.
الولايات المتحدة وأوروبا
يشكل الدعم الغربي العمود الفقري للقدرة الأوكرانية على الاستمرار. فقد تمثل هذا الدعم في تزويد أوكرانيا بأسلحة نوعية (دبابات أبرامز وليوبارد، صواريخ بعيدة المدى، دفاعات جوية)، إلى جانب الدعم المالي واللوجستي.
ومع ذلك، يواجه الغرب تحدياً يتمثل في غياب رؤية موحدة: فبينما تميل بعض الدول الأوروبية إلى تشديد المواجهة مع روسيا، تتبنى أخرى مواقف أكثر تحفظاً خوفاً من ارتداد العقوبات على اقتصاداتها.
رغم استمرار تدفق المساعدات، هناك مؤشرات على صعوبة إحداث اختراق جذري يوقف التقدم الروسي نهائياً. ويرجع ذلك إلى:
القيود السياسية الداخلية (انقسامات الكونغرس الأمريكي، وتردد الرأي العام الأوروبي).
حسابات القوى الكبرى التي تتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع روسيا.
محدودية الصناعات الدفاعية الأوروبية مقارنة بالقدرات الروسية على التعبئة العسكرية طويلة الأمد.
ومع ذلك، لا يعني ذلك عجزاً مطلقاً، إذ إن استمرار الدعم الغربي يحول دون انهيار أوكرانيا، ويطيل أمد الاستنزاف الروسي.
البعد العسكري: تفوق روسيا في القوة النارية يقابله بطء في تحقيق إنجازات نوعية حاسمة.
البعد الاقتصادي: العقوبات الغربية تضعف الاقتصاد الروسي تدريجياً، لكنها لم تمنع استمرار تمويل الحرب بفضل أسواق بديلة للطاقة.
البعد السياسي: تشتت المواقف الأوروبية، مقابل سعي الولايات المتحدة لإدارة الصراع دون الانخراط المباشر، يحد من القدرة على رسم استراتيجية موحدة.
البعد الدولي: دول الجنوب العالمي تنظر إلى الصراع باعتباره انعكاساً لصراع القوى الكبرى، ما يضعف قدرة الغرب على عزل روسيا بالكامل.
سيناريو استمرار التفوق الروسي التدريجي
يتمثل في تعزيز السيطرة على مزيد من الأراضي شرقاً وجنوباً، مع استخدام سياسة القضم البطيء، ما قد يؤدي إلى فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها.
سيناريو التوازن الاستراتيجي
حيث تستمر أوكرانيا، بدعم غربي متجدد، في صد الهجمات الروسية دون تحقيق اختراقات كبيرة، ما يقود إلى جمود ميداني طويل الأمد يشبه “حرب الخنادق” الحديثة.
سيناريو التصعيد الغربي النوعي
في حال اتخاذ الولايات المتحدة أو أوروبا قراراً بتزويد أوكرانيا بأسلحة أكثر تقدماً (مثل الطائرات المقاتلة F-16 بكميات كبيرة)، قد يتغير ميزان القوى جزئياً، مع ما يحمله ذلك من مخاطر التصعيد المباشر مع روسيا.
المشهد الراهن على الجبهة الروسية–الأوكرانية يتسم بتوازن معقد: تفوق عسكري روسي يقابله دعم غربي يمنع الانهيار الأوكراني، وسط غياب رؤية موحدة لدى القوى الغربية. إن مستقبل الصراع على المدى المنظور سيظل رهناً بثلاثة عوامل أساسية: قدرة روسيا على الاستمرار في التعبئة، استعداد الغرب لمواصلة الدعم بمستويات عالية، وإمكانية نشوء مخرج سياسي يوازن بين مصالح الأطراف. ومن دون تحقق أحد هذه العوامل بشكل حاسم، ستبقى الحرب مفتوحة على استنزاف طويل الأمد.
