مقاربة نقدية لمفهوم “الاتفاقيات الإبراهيمية”… بين التوظيف السياسي والمعطيات التاريخية

شهد الخطاب السياسي في السنوات الأخيرة استخدام مصطلح “الاتفاقيات الإبراهيمية” أو “الصفقات الإبراهيمية” للإشارة إلى مجموعة من التفاهمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي جرى تسويقها بغطاء ديني. ويقتضي تناول هذا المفهوم بالتحليل النقدي استحضار بعدين أساسيين:
عدم مشروعية توظيف الدين كأداة في الصراعات أو الترتيبات السياسية.
إظهار أن التجربة التاريخية لا تدعم فرضية أن وحدة الانتماء الديني قادرة على منع الحروب أو الصراعات.
يُعد الدين، في جوهره، منظومة قيمية وأخلاقية تسعى إلى إرشاد السلوك الإنساني وضبطه وفق مرجعيات روحية. في المقابل، يقوم المجال السياسي على منطق المصالح والتوازنات، وغالبًا ما يكون خاضعًا لاعتبارات براغماتية. الجمع بين المجالين يؤدي إلى إشكالات معرفية وعملية:
من منظور معرفي، ينتج عن ذلك خلط بين المقدس والمتغير، إذ يتم استدعاء الدين كإطار مرجعي ثابت لتبرير مصالح سياسية ظرفية.
من منظور عملي، يُفضي هذا الاستخدام إلى تحميل الدين مسؤولية نتائج سياسية قد تكون متناقضة مع قيمه، ما يضعف صدقية الخطاب الديني ذاته.
وبناءً على ذلك، فإن التسمية ذات الطابع الديني لاتفاقيات سياسية معاصرة تمثل توظيفًا غير مشروع، يهدف بالأساس إلى إضفاء شرعية رمزية على ترتيبات واقعية.
تُظهر التجربة التاريخية أن وحدة الانتماء الديني لم تشكّل ضمانة للسلام أو لتجاوز الصراعات، بل شهدت فترات عديدة من التاريخ توظيفًا للدين في إذكاء الحروب:
الحروب الدينية الأوروبية: مثل حرب المائة عام وحرب الثلاثين سنة، التي اندلعت بين الكاثوليك والبروتستانت، وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية جسيمة رغم وحدة المرجعية المسيحية.
الحرب الأهلية الأمريكية: ورغم أنها لم تُصنَّف حربًا دينية، فإنها توضح أن وحدة الانتماء الديني والثقافي لا تمنع اندلاع نزاعات دامية عندما تتعارض المصالح السياسية والاقتصادية.
هذه النماذج التاريخية تبيّن أن العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتغلب على الروابط الدينية، وأن رهان الخطاب السياسي المعاصر على “الإبراهيمية” بوصفها أداة للسلام لا يستند إلى أساس واقعي متين.
يُظهر التحليل أن “الاتفاقيات الإبراهيمية” تمثل حالة من التوظيف الرمزي للدين في سياق سياسي بحت، الأمر الذي يثير إشكالات معرفية ويطرح تساؤلات حول صدقية هذا الخطاب. كما يؤكد التاريخ أن وحدة المرجعية الدينية لم تمنع نشوب الحروب أو الصراعات، بل قد تكون وظفت أحيانًا لتأجيجها. ومن ثم، فإن ربط السلام بمصطلح ديني مثل “الإبراهيمية” لا يعدو أن يكون ممارسة خطابية تهدف إلى إضفاء شرعية على ترتيبات سياسية، أكثر من كونه ضمانة موضوعية لتحقيق استقرار طويل الأمد.

أضف تعليق