من “قصد” الى Quest … نحو مقاربة تأثيلية بديلة تكشف الحقيقة كاملةً

تُقدَّم كلمة quest عادةً في المعاجم الغربية على أنها مشتقة من اللاتينية quaerere (يبحث، يسعى، يسأل)، ومن ثم عبر الفرنسية القديمة queste وصولًا إلى الإنكليزية الوسطى. هذا التأثيل صحيح ضمن الإطار الأوروبي التقليدي، لكنه لا يقدّم إلا نصف الحقيقة أو ربعها، إذ يكتفي بحصر التطور الدلالي والصوتي داخل الفضاء اللاتيني-الهندو-أوروبي. غير أن التأثيل العميق يقتضي العودة أبعد من ذلك، إلى الجذر العربي قصد، الذي يشكّل أصلًا تأثيليًا يربط بين اللغة العربية واللغات الأوروبية على نحو طالما أهملته المدرسة التأثيلية الأوروبية.
في العربية، كلمة قصد تعني التوجه نحو غاية محددة، والسعي إلى هدف مرسوم بعينه. ومنها جاء مقصد، أي الغاية المرجوّة والنتيجة التي يسعى الإنسان لتحقيقها. إن هذا البعد الغائي والقصدي يتطابق بصورة لافتة مع ما تحمله كلمة quest في الإنكليزية: “رحلة بحث” أو “سعي وراء غاية”، وكذلك مع كلمة question التي تعني “سؤالًا” أي استقصاءً معرفيًا له وجهة ومقصد.
إن هذا التشابه ليس مجرد صدفة صوتية أو دلالية، بل يكشف عن وحدة أعمق في البنية المفهومية بين اللغات، تعود إلى جذور مشتركة تتجاوز الأطر الضيقة للمدرسة الهندو-أوروبية.
المدرسة التأثيلية الأوروبية درجت على الانطلاق من النصوص اللاتينية والجرمانية واليونانية، بوصفها الأفق الوحيد الممكن لتتبع تاريخ الكلمات. لكن هذه المدرسة، على أهميتها، تعاني من قصور بنيوي يتمثل في إقصاء التأثيرات العربية، أو اختزالها في هوامش استعارة متأخرة. وبهذا فإنها لا تكتفي بإعطاء نصف الحقيقة، بل تقدم حقيقة مشوهة، لا تختلف في جوهرها عن الباطل.
إن الحقيقة إمّا أن تُقدَّم كاملة، أو لا معنى لها. وما نصف الحقيقة إلا خداع؛ إذ يُترك السياق الأصلي في الظل، بينما تُرفع الأصول الأوروبية وحدها إلى مصاف المرجعية المطلقة.
الحل يكمن في تأسيس مدرسة تأثيلية بديلة، تعترف بالمنجز الأوروبي، لكنها تُدرجه في سياق أوسع يتقصّى الروابط العميقة بين اللغة العربية والهندو-أوروبية. هذه المدرسة لا تتعامل مع العربية بوصفها مجرد مؤثرات لاحقة، بل كجذور أصلية لفهم كثير من المفاهيم التي لا تكتمل صورتها إلا بإعادتها إلى أصولها الغائية والقصدية في العربية.
إن كلمة quest، إذا رُدّت إلى أصلها العربي قصد، تكشف عن بعد إنساني شامل: السعي، الطلب، الغاية، الهدف. وهذا المعنى الجوهري هو الذي يربط بين المسعى الروحي (Quest for the Holy Grail) والمسعى المعرفي (Question of truth)، وبين المقصد الدنيوي والمقصد الأخروي.

إن التأثيل ليس مجرد لعبة صوتية أو تاريخية، بل هو مشروع معرفي لكشف الحقيقة الكاملة. والتأثيل الأوروبي، مهما بلغ من الدقة، يظل ناقصًا ما لم يُدمج في مشروع أشمل يعيد للعربية موقعها في أصل الكلمات والمعاني. وكلمة quest مثال ساطع على ذلك: فهي ليست مجرد ابن شرعي للاتينية quaerere، بل وريث عميق للجذر العربي قصد الذي يحمل في طياته معنى السعي والمقصد والغاية.
فالحقيقة لا تتجزأ، ومن يقبل بأنصاف الحقائق يقبل بالباطل في ثوب آخر.

أضف تعليق