هل يستطيع العلم تصفير إمكانية وجود الله؟

يذهب أنصار “التمذهب بالعلم” إلى الزعم بأن “لا حاجة إلى الله” لتفسير الوجود. يقولون: ما دام العلم قادرًا على تقديم تفسير لكل الظواهر بقوانين طبيعية صارمة، فلماذا نستحضر فرضية غيبية لا تضيف شيئًا إلى المعادلة؟ هذا الادعاء، وإن بدا منطقياً بعض الشيء، فإنه يقوم على مغالطة عميقة: افتراض أن المنظومة المعرفية البشرية قادرة، من حيث المبدأ، على تصفير أي احتمالية لوجود الله. والحقيقة أن هذا ما لا يملكه العلم ولا يملكه العقل البشري، لا اليوم ولا في أي أفق منظور.
العلم لا يتجاوز كونه أداة تفسير ضمنية للجزئيات، وليس منظومة أنطولوجية كاشفة عن الكل. فالعلم يشرح كيف تتساقط الأجسام بفعل الجاذبية، لكنه يعجز عن الإجابة: من أين جاءت الجاذبية أصلاً؟ وما الذي جعل الكون “قابلًا للقوانين”؟
العلم يفسر بعض آليات نشوء الحياة، لكنه يقف عاجزًا أمام السؤال: من أين جاءت الشرارة الأولى للحياة؟
العلم يصف تمدد الكون، لكنه لا يعرف لماذا بدأ الكون من الأساس، ولا ما إذا كانت له بداية أو نهاية مطلقة.
العلم يستعرض احتمالات لوجود حياة خارج الأرض، لكنه حتى الآن لم يأت بدليل واحد قاطع على ذلك.
القول بأن قوانين العلم تكفي وحدها، هو في الحقيقة موقف إيديولوجي متخفٍّ في عباءة العلم. إننا نواجه هنا معادلة مضحكة: يزعمون أن العلم يغني عن الله، بينما لا يزال العلم نفسه عاجزًا عن تفسير أصل الزمن، وأصل الحياة، وأصل المادة، وأصل الوعي. كيف يمكن لمنظومة عاجزة عن الإجابة عن أصول الوجود أن تزعم أنها قادرة على إسقاط فكرة الله من الحساب؟
الحقيقة البديهية أن فكرة الله ليست مجرّد “فراغ” يسدّه العلم لاحقًا، بل هي إمكان أنطولوجي ملازم للسؤال عن الأصل والمصير. ما دام العلم محكومًا بعدم قدرته على الحسم النهائي في قضايا البداية والنهاية، فالغيب سيظل حيًّا، وإمكان وجود الله سيظل قائمًا. بل إن كل خطوة يخطوها العلم نحو توسيع المعرفة تفضح عجزه أمام الأسئلة المطلقة، وتُبقي الله حاضرًا بوصفه “الاحتمال الذي لا يمكن تصفيره”.
إذن، دعوى أنصار “التمذهب بالعلم” بأن “لا حاجة إلى الله” ليست إلا وهماً إيديولوجيًا، أشبه بمحاولة حسم مباراة لم تبدأ بعد. فالله لن يُلغى من المعادلة الإنسانية، طالما ظلت الأسئلة الكبرى معلّقة بلا جواب: أصل الحياة، بداية الكون، أزلية الزمن، وأبدية الوجود. فالعلم يقدّم تفسيرًا لبعض الوقائع، لكنه عاجز عن أن يكون خاتمة المطاف. ومن هنا، فإن السؤال عن وجود الله ليس ترفاً ميتافيزيقياً، بل ضرورة فكرية لا فكاك منها.

أضف تعليق