
انبثقت الحداثة في الغرب بوصفها مسعى أكاديمي–فلسفي أراد أن يواجه البنى المعرفية التقليدية، وعلى رأسها الأديان، عبر إخضاعها لذات المناهج الوضعية التي نجحت في تفسير الطبيعة والعلوم الدقيقة. فالمشروع الحداثي أراد أن يطبّق أدوات المنطق العلمي التجريبي على الدين وما يماثله من نظم روحية–قيمية.
غير أن هذا الطموح انطوى على مغالطة منهجية صارخة، لأن الدين لا يُقارب بمنطق الأدوات ذاتها التي تُستخدم لفهم المادة أو الكيمياء أو الفيزياء. فالمعارف الدينية والروحية لها منطقها الخاص، المؤسس على التجربة الوجودية والمعنى والقيمة، لا على الملاحظة التجريبية وحدها. ومن هنا كان القصور المعرفي للحداثة: محاولة إخضاع المختلف النوعي (الدين) لمنطق لا ينتمي إليه أصلاً.
ولذلك، فإن النتائج التي أفرزها المشروع الحداثي تظل غير موثوقة فلسفيًا، لأنها مبنية على قياس فاسد: مساواة الدين بالعلم الطبيعي. هذا الخلل الجوهري جعل الحداثة، على الرغم من ادعائها العلمية، عاجزة عن هدم الأديان أو إقصائها من ساحة الوجود الإنساني.
حين فشلت الحداثة في مهمتها الأساسية، ظهر تيار “ما بعد الحداثة”، وكأنه الردّ الدفاعي الذي لجأت إليه الثقافة الغربية لإنقاذ مشروعها التحرري من سلطة الأديان والقيم الروحية. غير أن هذا التيار لم يكتفِ بمواصلة المسعى الحداثي على أسس أكاديمية ومنطقية، بل انزلق إلى منطق آخر يمكن وصفه بالشعبوي.
لقد استبدلت ما بعد الحداثة أدوات البحث العلمي–الأكاديمي بأساليب قائمة على التشظي، التفكيك الاعتباطي، اللعب باللغة، وإسقاط المعايير الجمالية والفنية. فغدت مهمتها الأساسية ليست النقد المعرفي الجاد، بل الهدم من أجل الهدم، والتفكيك من أجل التحرر المطلق حتى من القيم الأخلاقية والذوقية.
وهكذا، إذا كانت الحداثة قد سعت إلى مقاربة الأديان من منظور المنهج الوضعي، فإن ما بعد الحداثة ارتدت إلى ابتذال لغوي وفني، يتجلى في الإسفاف، كسر الأطر التعبيرية، وتشويه القيم الجمالية. وهذا يجعلها بحق “الوجه القبيح للحداثة”، لأنها استباحت ما عجزت الحداثة عن تفكيكه بالمنطق، فلجأت إلى التشويه والتسفيه.
من خلال هذا المسار، يتضح أن كلًّا من الحداثة وما بعد الحداثة وقعتا في فشل تنظيري مزدوج:
الحداثة: فشلها نابع من خطأ منطقي – تطبيق المنهج الوضعي على مجال غير وضعي بطبيعته.
ما بعد الحداثة: فشلها قائم على انعدام المعايير – استبدال الجدل الفلسفي بالابتذال الفني واللغوي.
وبهذا، نرى أن هذين المشروعين، رغم اختلافهما في الشكل، يلتقيان في جوهر القصور: عجزهما عن فهم خصوصية البنى الدينية–الروحية، وعدم قدرتهما على إنتاج بديل معرفي متماسك.
