متى تكفُّ أوروبا عن فرضِ وصايتِها على العالَم؟

يبدو أنَّ العقليةَ الاستعمارية الأوروبية تضربُ بجذورِها عميقاً في صُلبِ البُنيةِ التكوينية للسياسةِ الأوروبية الخارجية. فقادةُ أوروبا الغربية لا يريدون أن يصدِّقوا أنَّ الاستعمارَ قد حملَ عصاه ورحل منذ زمانٍ بعيد دون أملٍ في العودة! وهذه حقيقةٌ يشهدُ لها ما تمطرُنا به على مدارِ الساعة وسائلُ الإعلام التقليدية والمعاصرة. فلقد وفَّرت الأزمةُ الأوكرانية مناخاً ملائماً ليستعرضَ هؤلاءِ القادة فنونَ التسلُّط والاستعلاء بغيرِ الحق، وضروبَ التدخُّل في شؤونِ كثيرٍ من الدول، وذلك عن طريقِ فرضِ وصايةٍ عليها تُلزِمها بوجوبِ الامتثالِ لرؤيتِها لأسبابِ هذا الصراع ولما ينبغي القيامُ به بغيةَ إدارتِه، وبما يمكِّنُ الغربَ من إلحاقِ هزيمةٍ استراتيجيةٍ ماحقة بالاتحادِ الروسي.
ولضمانِ هذا الامتثال، فلقد سخَّرت أوروبا الاستعمارية كلَّ إمكاناتِها السياسية والدعائية والاقتصادية. فعصا العقوباتِ الاقتصادية مرفوعةٌ تنتظرُ كلَّ مَن يتجرَّأ على رفعِ رأسِه بالاعتراض، والجهرِ بصوتِه للمطالبةِ بالكفِّ عن سياسةِ الكيل بمكيالَين، وإلا فكيف نفسِّرُ ما صدرَ عن الاتحادِ الأوروبي اليوم (4 /سبتمبر /2025) من تصريحٍ مفادُه أنَّ قادةَ الصين وروسيا وكوريا الشمالية يمضون قدُماً في تشكيلِ نظامٍ عالَمي جديد؟
ويحقُّ للمرءِ أن يتساءل: “وهل العالَمُ مزرعةُ الغرب حتى لا يحقَّ لغيرِ أهلِه أن يعملوا على صياغةِ ما يرونه مناسباً للارتقاءِ بشعوبِهم وضمانِ مستقبلِ أحفادِهم؟”! وبأي حق يصرُّ الغربُ على التحدثِ إلى العالَم بهذا المنطقِ الاستعلائي المتكبر الذي يذكِّرُنا بما كان عليه الحال يومَ كانت أساطيلُه تجوبُ بحارَ العالَم تسترِقُّ البشرَ وتجعلُهم عبيداً وتدمِّرُ هنا وتُشعلُ حروباً هناك؟!
إنَّ الوقتَ قد حان لأن يدركَ الغرب أنَّ عصاه التي يرفعُها في وجهِ العالَم ينبغي أن يؤدِّبَ بها نفسَه كما كان يفعلُ “توم” كلما أخفقَ في صراعِه مع “جيري”!

أضف تعليق