مدرسة فرانكفورت واستثنائية الإنسان بين نقد الرأسمالية وإشكالية العجز الذاتي

منذ نشأتها في ثلاثينيات القرن العشرين، شكّلت مدرسة فرانكفورت نقطة انعطاف بارزة في الفكر الفلسفي والنقدي الحديث. إذ اجتمع ثلة من الفلاسفة والمنظّرين – أمثال ماكس هوركهايمر، تيودور أدورنو، هربرت ماركوزه، ويورغن هابرماس – على مهمة فكرية تتجاوز النقد الأكاديمي البحت، لتطرح مشروعًا يهدف إلى تحرير الإنسان من بنيات السيطرة الحديثة. ولعل المفارقة التي تضعنا أمامها كتاباتهم تكمن في أن الإنسان، الذي خرج من رحم الطبيعة متمردًا على قوانينها الصارمة، لم يستطع أن يحافظ على حريته، بل وجد نفسه أسيرًا لبنى اجتماعية واقتصادية وثقافية أكثر قسوة من الطبيعة نفسها.
الحيوان يطيع قوانين الطبيعة بلا اعتراض، يعيش وفق حدود مرسومة غريزيًا، فلا تتطلب حياته تأسيس فلسفات نقدية ولا مشاريع تحررية. أما الإنسان، فقد قرر أن يتمرّد على هذه القوانين، فبنى الحضارة، وأنتج العلم، وسعى إلى الهيمنة على محيطه. غير أن هذا الخروج الاستثنائي حمل في طياته بذور تناقض داخلي: فبينما تحرّر من الطبيعة، راح يقيم لنفسه منظومات جديدة من العبودية، أكثر تعقيدًا وتجريدًا، أبرزها الرأسمالية الحديثة.
رأت مدرسة فرانكفورت أن الرأسمالية المتأخرة لم تعد مجرد نظام اقتصادي، بل أضحت آلة ضخمة لإعادة إنتاج الوعي وتطويعه. لم يعد الإنسان ذاتًا فاعلة، بل تحوّل إلى سلعة تُسوَّق لها الرغبات كما تُسوَّق لها المنتجات. فوسائل الإعلام، وصناعة الثقافة الجماهيرية، وآليات السوق، كلها تسهم في إخضاع الإنسان لواقع استهلاكي يفرغه من استقلاليته ويجعله كدمية تُحرَّك بخيوط خفية.
وقد مثّل مفهوم “صناعة الثقافة” عند هوركهايمر وأدورنو أبرز الأدوات التحليلية لكشف هذه الهيمنة الناعمة: حيث لم يعد الفن تعبيرًا حرًّا عن الروح الإنسانية، بل أصبح جزءًا من ماكينة تسليع المتعة وإنتاج الوعي المقولب.
إذا كان خروج الإنسان على الطبيعة هو ما ميّزه، فإن خضوعه للرأسمالية أعاده إلى موقع التابع، ولكن هذه المرة تحت قبضة نظام من صنع يديه. هنا يبرز البعد المأساوي لاستثنائيته: فهو لم يعد أسير قوانين الطبيعة، لكنه أصبح أسير قوانينه الاقتصادية والسياسية التي ابتدعها. هذا ما يجعل مشروع مدرسة فرانكفورت يبدو أشبه بمحاولة لإنقاذ ما تبقى من حرية الإنسان وسط عالم استهلاكي يبتلع كل معنى.
ومع ذلك، فإن النظرة الموضوعية لمخرجات هذه المدرسة تكشف لنا بوضوح أن الأوان قد فات. فالإنسان، وقد سلّم طواعية مقاليد أمره لآليات السوق ولمنطق الرأسمالية المتوحشة، لم يعد قادرًا على استعادة زمام المبادرة. لقد أصبح فردًا مسلوب الإرادة، يقاد في قطيع يرقص طربًا وهو في طريقه إلى حتفه الحضاري. هذا العجز ليس عرضًا عابرًا، بل هو نابع من طبيعته الإنسانية ذاتها، تلك الطبيعة التي جعلته قابلًا للترويض والتسليع والتسويق، حتى بات فرحًا بعبوديته الجديدة.
هكذا يتبدّى لنا أن مشروع مدرسة فرانكفورت، على الرغم من قوته التحليلية وعمق بصيرته النقدية، لم يكن سوى محاولة لوقف نزيف الحرية الإنسانية في عصر الاستهلاك. غير أن هذا المشروع، شأنه شأن غيره من المشاريع النقدية، اصطدم بواقع الطبيعة البشرية كما تكشّف في لحظتها التاريخية: طبيعة تسهُل قيادتها، وتستسلم بسهولة لآليات السوق التي صارت البديل الحديث عن قوانين الطبيعة. ومن هنا، فإن استثنائية الإنسان لا تبدو في تحرّره بقدر ما تبدو في مأزقه: خروجه من عبودية الطبيعة لم يفضِ إلى الحرية، بل إلى عبودية من نوع آخر، أشد فتكًا ودهاءً.

أضف تعليق