
من النادر أن يتوافق البشر جميعاً على فكرة واحدة، ذلك أن تنوع الأديان والثقافات والمعتقدات والمستويات الاجتماعية يجعل من الإجماع أمراً عسيراً. غير أنّه عبر العصور، وفي مختلف البيئات الحضارية، برزت فكرة تكاد تحظى بإجماع جمعي واسع، وهي الزعم بأنّ الإنسان يمثل “محور الكون” وغاية وجوده. ويستحق هذا التوافق المتكرر التأمل والتحليل، لأنه يتجاوز حدود المكان ومحددات الزمان، ويعكس ما يشبه “بنية تحتية” راسخة في الوجدان الجمعي الإنساني.
المفارقة الأساسية التي تثيرها هذه الفكرة تكمن في أنها جمعت بين فريقين قلّما يتفقان: المتدينون من جهة، وكثير من العلماء من جهة أخرى. فالمقاربة التفسيرية السائدة للغاية من خلق الإنسان، على سبيل المثال، قد رسّخت تصوراً يضع الإنسان في مركز الخلق، باعتباره خليفةً في الأرض. أما الفكر العلمي الحديث، رغم نزوعه إلى التجريبية، فقد ساهم بدوره في ترسيخ هذا الزعم، سواء عبر نظرية “الإنسان العاقل” بوصفه أرقى نتاج للتطور، أو من خلال النزعة الإنسانية (Humanism) التي نشأت في عصر النهضة وأكدت استثنائية الإنسان وعقله. بذلك، بدا أن العلم والدين، رغم اختلاف المنطلقات، التقيا على أرضية مشتركة هي محورية الإنسان.
لا يقتصر هذا الإجماع على العصور الحديثة، بل يمكن تتبعه إلى الفلسفة الإغريقية التي اعتبرت الإنسان “مقياس كل شيء” كما قال بروتاغوراس. وفي العصور الوسطى، ورغم هيمنة الرؤية الكونية التي تجعل الأرض مركز الكون، فقد ظل الإنسان يُعطى مكانة محورية في الخطاب الديني. ثم جاء عصر الأنوار ليؤكد هذه النزعة عبر الفلسفات العقلانية التي رأت في الإنسان ذاتاً مستقلة ومصدر معنى. وبذلك يظهر أن فكرة محورية الإنسان ليست عرضاً طارئاً، بل تراكمت عبر أزمنة متعددة وتجلت في أنماط فكرية متباينة.
رغم قوة هذا الإجماع، يظل من الضروري التساؤل: هل يعكس ذلك حقيقة أنطولوجية للكون، أم مجرد وهم أنثروبولوجي صاغته الحاجة الإنسانية إلى المعنى والتفوق؟ فالنظريات الكونية الحديثة، ابتداءً من كوبرنيكوس وغاليليو، مروراً بنظرية النسبية لأينشتاين، وصولاً إلى فيزياء الكم وعلم الكونيات المعاصر، تؤكد أن الإنسان لا يشغل سوى موقع متناهٍ في الصغر ضمن كون شاسع لا نهاية مرئية له. كذلك، تظهر المقاربات الفلسفية لما بعد الحداثة تشكيكاً جذرياً في مركزية الإنسان، معتبرة أن الطبيعة، أو حتى النصوص والأنظمة الرمزية، قد تسبق الذات الإنسانية في إنتاج المعنى.
يتبين إذن أنّ الزعم بمحورية الإنسان في الكون يمثل خطاباً ثقافياً-أنثروبولوجياً أكثر مما هو حقيقة كونية مطلقة. فبينما يتيح هذا الزعم للإنسان تعزيز شعوره بالاستعلاء والتفرد، فإنه يحمل في طياته خطراً يتمثل في تبرير نزعة الهيمنة والسيطرة على الأرض وكائناتها. ومن هنا، فإن تجاوز هذا التصور يستلزم بناء رؤية أكثر تواضعاً للوجود الإنساني، رؤية تعترف بمكانة الإنسان دون أن تفصله عن شبكة العلاقات الكونية التي تحيط به. إن نقد هذه المحورية لا يعني نفي قيمة الإنسان، بل تحريره من وهم الاستثناء المطلق، وإعادة وضعه في موقعه الطبيعي ككائن واعٍ، لكنه ليس بالضرورة مركز كل شيء.
