
تُعَدُّ نزعة التعجل في إصدار الأحكام من أبرز السمات الإنسانية وأكثرها قابلية للملاحظة الفورية. فالإنسان – على خلاف توقعات العقلانية التي يُفترض أنها ميّزته – يُسارع إلى إطلاق الأحكام والقرارات دون تروٍّ، وغالباً دون الاستناد إلى أدلة منطقية أو معطيات معرفية دقيقة. هذه السمة ليست مجرد انحراف عارض في السلوك، بل ظاهرة متكررة تستدعي التحليل من منظور فلسفي وتطوري، بخاصة إذا ما قورنت بالصرامة الغريزية التي تطبع سلوك الحيوان.
الإشكالية المركزية هنا تتمثل في السؤال المزدوج: كيف يمكن تفسير نزعة التعجل عند الإنسان؟ وما الجدوى التطورية التي يمكن أن يبرر بها هذا السلوك؟
فالحيوان، بوصفه نتاجاً لملايين السنين من الانتقاء الطبيعي، لا يُقدم على فعل إلا إذا كان مبرمجاً بدقة في منظومة الأفعال وردود الأفعال التي تضمن بقاءه. على العكس من ذلك، يظهر الإنسان في كثير من الحالات متسرعاً، متعجلاً، ومخالفاً لقواعد الحذر العقلاني. هذه المفارقة بين الصرامة البيولوجية للحيوان والاندفاع البشري تضعنا أمام معضلة معرفية تستحق الوقوف عندها.
من منظور أنثروبولوجي-تطوري، يمكن النظر إلى التعجل كآلية دفاعية استباقية. فالإنسان الأول، الذي عاش في بيئات محفوفة بالمخاطر، كان مضطراً لإصدار قرارات سريعة حتى لو لم تستند إلى تحقق دقيق. فالفرار من خطر “محتمل” كان أكثر ضماناً للبقاء من التريث حتى يتأكد من حقيقته. ومع تراكم الأجيال، ترسّخت هذه الاستراتيجية في البنية العصبية للإنسان، لتصبح جزءاً من برمجته السلوكية، حتى في المواقف التي لا تبررها. ومن هنا يمكن تفسير استمرارية هذه النزعة: التعجل كان – في أصله – ميزة تكيفية، لكنه تحول في السياق المعاصر إلى عائق معرفي.
الفلسفة العقلانية الحديثة تنظر إلى الإنسان بوصفه كائناً قادراً على تجاوز الغرائز وتوجيه سلوكه وفق مبادئ منطقية. غير أن ظاهرة التعجل تكشف حدود هذا التصور. فالإنسان، على الرغم من امتلاكه للأدوات العقلية والتحليلية، يظل أسيراً لآلية غريزية متجذرة. وهنا يتجلى التوتر بين العقلانية المعيارية والبرمجة التطورية. بل إن ما يزيد الأمر تعقيداً أن الإنسان غالباً ما يبرر قراراته المتعجلة بكونها تعبيراً عن “الحدس” أو “الفطنة”، متغافلاً عن أنها في جوهرها استجابة غريزية قديمة.
لتوضيح عمق هذه النزعة، يكفي أن نطرح السؤال التالي على مجموعة من الناس: “هل تنتمي ثمرة المانجو والفستق إلى العائلة النباتية نفسها؟”
ستكون الغالبية العظمى من الإجابات بالنفي القاطع، استناداً إلى الانطباع الأول لا إلى المعرفة العلمية. غير أن الحقيقة النباتية تكشف عكس ذلك: فكلاهما ينتمي إلى العائلة نفسها (Anacardiaceae). هذا المثال البسيط يكشف ميل الإنسان إلى إصدار أحكام سريعة دون تحقق، حتى في القضايا التي لا تهدد حياته ولا تستدعي قراراً عاجلاً. إنه دليل على أن التعجل لم يعد مجرد آلية بقاء، بل تحول إلى سمة معرفية متجذرة.
إن دراسة نزعة التعجل في إصدار الأحكام تضعنا أمام مفارقة تطورية وفلسفية مزدوجة: فمن جهة، هي أثر تكيفي ساعد الإنسان الأول على النجاة في بيئات خطرة؛ ومن جهة أخرى، هي عائق معرفي يفضح قصور الإنسان في تفعيل ملكاته العقلية على نحو منسجم مع معايير المنطق. إن هذا التوتر بين الغريزة القديمة والعقلانية المعيارية لا يفسر فقط محدودية الإنسان في ضبط سلوكه، بل يكشف أيضاً عن الطبيعة المركبة لوجوده، حيث يظل معلقاً بين الماضي التطوري والمستقبل العقلاني.
