قراءة تحليلية في استمرارية الذهنية الاستعمارية الأوروبية

رغم مرور عقود طويلة على نهاية الحقبة الاستعمارية الكلاسيكية، ما تزال السياسات الخارجية الأوروبية تنطوي على ملامح وصائية تعكس ذهنية استعمارية كامنة. هذه الذهنية لم تعد تتجلى من خلال الاحتلال المباشر أو الغزو العسكري التقليدي، وإنما عبر أدوات حديثة كالعقوبات الاقتصادية، والهيمنة الإعلامية، والضغوط الدبلوماسية. وهو ما يجعل التساؤل مشروعاً: هل يمكن الحديث عن انقطاع حقيقي مع الماضي الاستعماري، أم أنّ ما نشهده هو إعادة إنتاج لنمط “الاستعمار الجديد” بصيغ معاصرة؟
لقد ارتبطت أوروبا الغربية منذ القرن الخامس عشر بمشروع توسعي إمبريالي هدفه السيطرة على الموارد والشعوب، وتبريره عبر سرديات المركزية الأوروبية (Eurocentrism) و”رسالة التمدين”. ومع موجات إنهاء الاستعمار في منتصف القرن العشرين، بدا وكأن أوروبا تخلت عن هذه الذهنية. غير أنّ ما طرحه مفكرون مثل فرانز فانون وإدوارد سعيد حول “الاستعمار الجديد” و”الاستشراق” يشي بأنّ الاستعمار لم يرحل فعلاً، بل أعاد تشكيل نفسه في صور أخرى.
وفّرت الأزمة الأوكرانية مثالاً حياً على استمرار النزعة الوصائية الأوروبية. فبدلاً من الاعتراف بتعددية المنظورات الدولية، تعامل الاتحاد الأوروبي مع الصراع بوصفه قضية تستوجب اصطفافاً عالمياً خلف رؤيته. وقد ترافق ذلك مع:
التوظيف السياسي: تقديم الموقف الأوروبي باعتباره المعيار الذي ينبغي أن يحتكم إليه الآخرون في تقييم الأزمة وإدارتها.
الأداة الاقتصادية: استخدام العقوبات وسيلة لإخضاع المخالفين، بما يعكس إرث “القوة الصلبة” في صورة جديدة.
الخطاب الإعلامي: تصوير أي محاولة لبناء توازنات بديلة – كما في التعاون بين روسيا والصين وكوريا الشمالية – باعتبارها تهديداً للنظام الدولي، وكأن العالم حكر على الغرب وحده.
يمكن فهم هذا السلوك في ضوء عدد من المقاربات:
نظرية النظام العالمي (World-Systems Theory) لإيمانويل والرشتاين: حيث تحتفظ أوروبا بموقع “المركز” الذي يفرض شروطه على “الأطراف”.
الاستعمار الجديد (Neo-Colonialism) كما صاغه كوامي نكروما: أي استمرار السيطرة عبر أدوات غير مباشرة كالعقوبات، والتدخل الاقتصادي، والهيمنة الثقافية.
المركزية الأوروبية (Eurocentrism): أي افتراض أوروبا لنفسها موقع المرجعية الكونية، ونزع الشرعية عن مشاريع بديلة.
يُظهر تحليل الخطاب والسياسة الأوروبية أنّ القطيعة مع الماضي الاستعماري لم تتحقق بعد. فما زالت أوروبا تتحدث إلى العالم من موقع وصائي استعلائي، متجاهلة حق القوى الصاعدة في صياغة نظم بديلة. ولعلّ السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن للغرب أن يتجاوز هذه الذهنية التاريخية ويقبل بالتعددية القطبية؟ أم أنّنا بصدد إعادة إنتاج صراع طويل بين مراكز القوة العالمية، حيث تظل أوروبا متمسكة بعصاها الاستعمارية، وإنْ بأشكال جديدة؟

أضف تعليق