مسارعةُ الإنسان في إطلاقِ الأحكام في مرآةِ التطور ومرآةِ القرآن

تخفقُ المقاربةُ التطورية للإنسان في الإجابةِ على كثيرٍ من الأسئلةِ التي تتعلَّقُ بسلوكياتِه، وردودِ أفعالِه غيرِ المنضبطة، وفقاً لِما تقتضيه قوانينُ الطبيعة التي نشأ وتطورَ أسلافُه في تمامِ التوافقِ معها. ومن ردودِ الأفعالِ هذه، تعجُّلُ الإنسانِ في إصدارِ الأحكام دونما استنادٍ إلى دلائلَ وبيِّناتٍ قاطعة. فالإنسانُ لا يتروى قبل أن يسارعَ إلى إطلاقِ أحكامِه، وذلك كما يقتضيه منه وجوبُ إعمالِ عقلِه فيما يعرضُ له من مسألةٍ أو قضية قبل أن يبتَّ فيها بحكمٍ، أو يجيبَ عليها بجواب. غير أنَّ الملاحظَ على السوادِ الأعظمِ من بَني آدم أنهم لا يجدون أي غضاضة في التسرُّعِ والتعجُّلِ في الإجابةِ، وفي إبداءِ الرأي، حتى وإن كان الأمرُ يقتضي منهم التفكُّرَ والتدبُّر ومراجعةَ المعلومات وتدقيقَ البيانات. ولذلك تمثلُ هذه الصفة، التي لازمت الجنسَ البشري منذ خطواتِه الأولى على أرضِ هذا الكوكب، تحدياً صارخاً للبايولوجيا التطورية التي أبداً لن يكونَ بمقدورِها أن تعلِّلَ لها وفقاً لمنظومتِها التفسيريةِ القائمةِ على أساسٍ من كونِ العمليةِ الارتقائية التطورية لا تصبحُ واجبةَ الحدوث إلا لمنفعةٍ تطورية تعودُ بها على الفرد، وبالتالي على النوع.
وفي المقابل، نجدُ أنَّ القرآنَ قد شخَّصَ هذه الصفةَ في الإنسان تشخيصاً دقيقاً، وحمَّلَها وزرَ الكثيرِ من تصرفاتِه الحمقاء، وردودِ أفعالِه الخرقاء، وسلوكياتِه الهوجاء، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) (من 37 الأنبياء)، (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا) (11 الإسراء).
وهذا الذي شخَّصَه القرآنُ في الإنسان، من تعجُّلٍ في إطلاقِ الأحكام، ومسارعةٍ في إبداءِ الرأي، وتهورٍ في إظهارِ ردودِ الأفعال، إنما يبرهن على أنَّ القرآنَ يعرفُ الإنسانَ كما لا يعرفُ الإنسانُ نفسَه. ويذكرنا هذا بقولِ اللهِ تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (14 المُلك).

أضف تعليق