التردد البشري بين المنفعة التطورية والتناقض السلوكي

من أبرز السمات التي تميّز الشخصية البشرية الميل إلى التردد والتذبذب قبل الإقدام على فعلٍ ما أو اتخاذ موقف محدّد. هذه النزعة تبدو لأول وهلة وكأنها سلوكٌ غير متكيف، لا ينسجم مع القاعدة التطورية التي تفترض أن السمات التي تبقى هي تلك التي تمنح حاملها أفضلية واضحة في البقاء والتكاثر. فالحيوان – الذي يُعَدُّ أصل الإنسان التطوري – لا يعرف هذا القدر من التردد: فهو يتخذ قراراته بغريزة سريعة حاسمة، بينما يظل الإنسان كثيرًا ما يراوح بين التقدم والإحجام.
تسعى هذه الورقة إلى استقصاء أبعاد هذه الظاهرة من خلال ثلاثة مستويات تحليلية:
المفارقة التطورية للتردد البشري.
المنافع الخفية المحتملة التي قد تفسّر بقاء هذه السمة.
المقارنة بين التردد والتعجل باعتبارهما نقيضين متجاورين في النفس الإنسانية.
ينطلق المنطق التطوري من فرضية الانتخاب الطبيعي، حيث تبقى السمات المفيدة وتندثر السمات الضارة. غير أن التردد يبدو منافياً لهذه القاعدة؛ إذ يؤدي في كثير من الأحيان إلى ضياع فرص أو تأخر في الاستجابة، ما يضع الفرد في موضع ضعف.
في بيئة الخطر المباشر: كان على أسلاف الإنسان أن يتخذوا قرارات سريعة للحفاظ على حياتهم. التردد في هذه المواقف يعني الوقوع فريسة لعدو أو كائن مفترس.
في بيئة الصيد والجمع: كان النجاح يتطلب سرعة المبادرة. التردد الطويل قد يؤدي إلى فقدان الفريسة أو ضياع مصدر الغذاء.
إذاً، التردد ظاهرة يصعب تفسيرها بالمنطق التطوري المباشر، مما يستدعي البحث عن فوائد غير مباشرة قد تكون هي التي حفظت هذه السمة من الاندثار.
يمكن النظر إلى التردد على أنه ليس فشلاً في الحسم، بل شكلاً من أشكال التحوّط المعرفي الذي يسمح للإنسان بجمع أكبر قدر من المعلومات قبل اتخاذ القرار.
في المجتمعات البدائية، لم يكن الخطر دائمًا لحظيًا أو مباشراً؛ أحيانًا يكون الخطر بعيد المدى أو متعلقًا بعلاقات اجتماعية معقدة. في هذه الحالة، التردد قد يحمي الفرد من عواقب وخيمة على المدى الطويل.
التردد يوفر مساحة للتفكير الأخلاقي، إذ يتيح للفرد مراجعة العواقب لا على نفسه فقط، بل على الجماعة كلها.
في ضوء العقل الرمزي للإنسان، الذي يستطيع أن يتصور احتمالات مستقبلية متعددة، يصبح التردد نتاجًا طبيعيًا لهذا التوسع في إدراك البدائل.
بهذا المعنى، فإن التردد يمكن اعتباره أداة للبقاء في البيئات المعقدة التي لا تخضع لحتميات الغريزة وحدها، بل لاعتبارات اجتماعية وثقافية ورمزية.
ما يثير الانتباه هو أن التردد لا يظهر وحيدًا في البنية النفسية للإنسان، بل يقابله سلوك آخر متطرف هو التعجل والتهور.
الإنسان ذاته الذي يحجم عن اتخاذ قرار في موقف قد يكون هو نفسه الذي يندفع بطيش في موقف آخر.
هذا التناقض يوحي بأن النفس الإنسانية مشدودة دومًا بين قطبين متضادين: الإفراط في التريث والإفراط في الاندفاع.
المفارقة هنا أن الحيوان – بخلاف الإنسان – لا يعرف هذا الانقسام الداخلي؛ فهو يتخذ قراره وفق إشارات غريزية دقيقة دون أن يعيش صراعًا بين التردد والتعجل.
إن اجتماع هذين السلوكين المتناقضين في الإنسان يشير إلى ازدواجية عقلية جعلت الإنسان أقل انسجامًا مع ذاته مقارنة بالحيوان، لكنها في المقابل فتحت أمامه آفاقًا للتفكير والابتكار.
تتضح قيمة التردد أكثر عند النظر إلى الإنسان ككائن اجتماعي:
في الحياة الجماعية، اتخاذ قرار متسرع قد يقود إلى صراع أو حرب، بينما التردد يمنح فرصة للتفاوض والتسوية.
التردد هنا يصبح وسيلة للحفاظ على السلم الاجتماعي، حتى لو جاء على حساب الفعالية الفردية.
على المستوى الثقافي، التردد قد يكون مصدرًا لظهور الطقوس والاستشارات والتقاليد التي تنظم القرارات المصيرية، مثل الزواج والتحالفات والحروب.
وهكذا يظهر التردد ليس كعيب فردي فقط، بل كبنية متأصلة في المشهد الجمعي للإنسان.
يمكن القول إن التردد، بما ينطوي عليه من تأجيل للحسم، هو ما يميز الإنسان عن الحيوان من حيث القدرة على المفاضلة بين البدائل. فالتردد قد يكون الثمن الذي دفعه الإنسان مقابل امتلاكه للحرية والقدرة على الاختيار.
الحيوان حر من التردد لأنه عبد لغريزته.
الإنسان متردد لأنه سيدٌ لاحتمالات متعددة لا تحدها الغريزة وحدها.
بهذا المعنى، فإن التردد ليس مجرد انحراف تطوري، بل هو جزء من كلفة الحرية الإنسانية.
يظهر التردد كسمة مزدوجة الوجه: من ناحية، يعطّل زمام المبادرة ويجعل الإنسان عرضة للضياع والتأخر. ومن ناحية أخرى، يمثل وسيلة للتحوّط المعرفي، وضمانة ضد القرارات المتهورة في بيئات اجتماعية معقدة.
إنّ التردد والتعجّل معًا يعكسان التناقض الجوهري في الطبيعة البشرية: عقلٌ قادر على التوسع في الاحتمالات، لكنه يدفع ثمن هذا التوسع بالاضطراب والارتباك. وربما كانت هذه المعضلة بالذات – التذبذب بين التردد والتهور – هي التي جعلت من الإنسان كائنًا غير متوقع، قادراً على الإبداع والخطأ، وعلى التدمير والابتكار في آن واحد.

أضف تعليق