
تتناول هذه المقالة ظاهرةً إنسانية متجذرة، تتمثل في الميل إلى التعجل في إصدار الأحكام دون تروٍّ أو استنادٍ كافٍ إلى الأدلة. تُقارب المقالة هذه الظاهرة من زاويتين: الأولى هي المقاربة التطورية التي تحاول تعليل السلوك الإنساني من منظور المنفعة والبقاء، والثانية هي التشخيص القرآني الذي جعل “العجلة” جزءًا بنيويًا من تكوين الإنسان. وتخلص المقالة إلى أن المقاربة التطورية تعجز عن تفسير بقاء هذه السمة عبر آليات الانتخاب الطبيعي، بينما يقدم القرآن مقاربة أنطولوجية أعمق، تكشف عن قصور الإنسان في إدراك العواقب، وتبرز الحاجة إلى الجمع بين العلم والوحي لفهم الظاهرة في أبعادها المعرفية والوجودية.
يُعَدّ التعجل في إصدار الأحكام من السمات الأكثر وضوحًا في السلوك البشري، إذ نادرًا ما يُمهل الإنسان نفسه فرصة التفكر والتروي قبل أن يبدي رأيًا أو يبتّ في قضية. على الرغم من أنّ المنظومة التطورية تفسر معظم السلوكيات بوصفها آليات تعود بالنفع على الفرد والنوع، إلا أن “العجلة” تطرح معضلة تفسيرية. فهي كثيرًا ما تقود إلى قرارات خاطئة لا تحقق منفعة تطورية، بل قد تُفضي إلى نتائج كارثية.
ومن جهة أخرى، نجد أن القرآن الكريم قد شخّص هذه الظاهرة تشخيصًا مباشرًا ودقيقًا، فربطها بخلق الإنسان نفسه، وجعلها علة لكثير من تصرفاته المرتبكة واندفاعاته غير المحسوبة. هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة مزدوجة: نقدية للتفسير التطوري، وتأملية في التشخيص القرآني، مع بعد فلسفي يوضح حدود العلم في إدراك الإنسان لذاته.
المحور الأول: المقاربة التطورية للتعجل
1. التفسير التطوري للسلوك البشري
يرى علم النفس التطوري أن السمات السلوكية التي استمرت عبر التاريخ هي التي قدّمت منفعة مباشرة أو غير مباشرة لبقاء الفرد والجماعة. وفي هذا السياق، يُفترض أن العجلة في اتخاذ القرار قد كانت ميزة في ظروف الخطر، حيث السرعة قد تساوي النجاة. فالإنسان الذي يستجيب بسرعة قد ينجو من مفترس أو يتفادى كارثة بيئية.
2. حدود هذا التفسير
إلا أن هذا التعليل يظل قاصرًا، لأنه لا يفسر بروز العجلة في مجالات لا تتعلق بالخطر أو البقاء المادي، مثل الأحكام الفكرية، والمواقف الاجتماعية، أو القرارات السياسية. بل إن كثيرًا من مظاهر العجلة في هذه السياقات تؤدي إلى نتائج سلبية تُضعف فرص البقاء ذاته.
3. مفارقة التطور
لو كان التعجل سمة ضارة بالإنسان، لكان من المنطقي أن يستبعدها الانتخاب الطبيعي عبر الأجيال. لكن استمرارها، بل وسيطرتها على السلوك الإنساني، يضع التطور أمام مأزق تفسيري: كيف تُفسَّر سمة تبدو في ظاهرها معيقة لا نافعة؟
المحور الثاني: القرآن وتشخيص العجلة
1. النصوص القرآنية المؤسسة
قدّم القرآن الكريم تشخيصًا بليغًا لهذه الظاهرة في مواضع عدة، منها:
(خُلِقَ الإنسانُ من عجل) [الأنبياء: 37].
(ويدعو الإنسانُ بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولًا) [الإسراء: 11].
(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) [الملك: 14].
2. الدلالات القرآنية
النص القرآني يصف العجلة بأنها ليست عرضًا طارئًا أو عادة مكتسبة، بل جزء من البنية التكوينية للإنسان. فهي متجذرة في طبيعته منذ الخلق، وتُفضي إلى سلوكيات اندفاعية، كالدعاء بالشر بدلاً من الخير، أو الحكم دون علم.
3. البعد النفسي-المعرفي
من خلال هذه النصوص، يبين القرآن أن العجلة انعكاس لقصور الوعي البشري، وأن الإنسان يتصرف تحت وطأة “نقص في إدراك العواقب”، مما يجعله معرضًا للخطأ المتكرر. وهنا يتجاوز القرآن المنظور النفعي ليضع العجلة في إطار أنطولوجي يعكس محدودية الإنسان أمام الزمن والغيب.
المحور الثالث: البعد الفلسفي والمعرفي
1. مقارنة بين العلم والوحي
العلم التطوري يقدّم تعليلات نفعية للسلوك.
القرآن يقدم تفسيرًا أنطولوجيًا يربط العجلة بجوهر الإنسان وحدود وعيه.
الجمع بين المقاربتين يكشف أن الإنسان ليس مجرد نتاجٍ لآليات البقاء، بل كائن محكوم بضعف معرفي ميتافيزيقي.
2. الإنسان والحيوان
الحيوان يظل أكثر دقة في تفاعله مع محيطه، لأنه محكوم ببرمجة طبيعية لا تسمح بالتعجل إلا عند الضرورة.
أما الإنسان، فإنه يخرق هذا النسق الطبيعي، فيتعجل في مواقف لا تستدعي العجلة. وهنا تكمن خصوصيته وفرادته الوجودية، التي تجعله مسؤولًا عن قراراته وأخطائه.
الإسقاطات المعاصرة
تضاعف أثر العجلة في عصرنا الراهن عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يصدر الحكم والرأي في ثوانٍ دون تروٍ أو تحقق.
التعجل في القرارات السياسية والعسكرية كثيرًا ما أدى إلى كوارث إنسانية.
هنا تتضح خطورة العجلة بوصفها معضلة معرفية تتجاوز الفرد إلى المجتمع.
أظهرت المقالة أن المقاربة التطورية للسلوك البشري عاجزة عن تفسير بقاء ظاهرة العجلة، لأنها لا تقدم منفعة تطورية واضحة. بينما قدم القرآن تشخيصًا أعمق، فجعل العجلة جزءًا من طبيعة الإنسان، وكشف عن جذورها في قصور وعيه وإدراكه. ومن ثم فإن الجمع بين المنظورين، العلمي والقرآني، يبين أن الإنسان لا يمكن تفسيره من خلال آليات البقاء وحدها، بل يحتاج إلى منظور أوسع يكشف محدوديته ويؤكد مسؤوليته في آنٍ واحد.
