
تمرّ علينا في هذه الأيام الذكرى السادسة والثمانون لاندلاع الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي شكّلت منعطفًا حاسمًا في التاريخ الإنساني، إذ أفضت إلى إعادة رسم الخريطة السياسية للعالم، وأنتجت بنية أمنية دولية جديدة ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم. وفي خضم استدعاء هذه الذكرى الثقيلة بالدماء والتضحيات، يبرز حدث رمزي لافت يتمثل في إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تغيير تسمية “وزارة الدفاع” إلى “وزارة الحرب”. وقد يبدو هذا التغيير مجرّد تفصيل شكلي، لكنه في الحقيقة ينطوي على دلالات رمزية وسياسية عميقة.
لم يكن اختيار اللحظة الزمنية (ذكرى اندلاع الحرب العالمية الثانية) لتغيير التسمية حدثًا عابرًا، بل يثير أسئلة حول العلاقة بين الماضي والحاضر. فالسياسة، كما التاريخ، كثيرًا ما توظّف الرموز والإشارات لإيصال رسائل مشحونة بالمعنى. فإذا كانت الحرب العالمية الثانية قد دشّنت عصرًا جديدًا من مفهوم “الدفاع الجماعي” والتوازنات الدولية، فإن العودة إلى مصطلح “الحرب” تعكس نزعة صريحة نحو استحضار الصدام والهيمنة، بدلًا من الاكتفاء بخطاب “الدفاع” الذي ساد طوال العقود الماضية.
يُقرأ هذا القرار، على المستوى السياسي، ضمن إطارين متكاملين:
الإطار الداخلي:
يعكس القرار خطابًا سياسيًا يرضي القاعدة الانتخابية لترمب، تلك القاعدة التي تميل إلى رؤية أكثر هجومية للسياسة الخارجية، وتعتبر أن “الدفاع” تعبير مراوغ، بينما “الحرب” تعبير صريح عن القوة الأمريكية وعزمها على حماية مصالحها.
الإطار الدولي:
يحمل التغيير رسالة ردع موجهة إلى الخصوم الاستراتيجيين، ولا سيما الصين وروسيا وإيران. فالتسمية الجديدة تؤكد أن الولايات المتحدة لم تعد معنية بتقديم نفسها كقوة “دفاعية” بقدر ما تعلن استعدادها لخوض الحروب بشكل مباشر دفاعًا عن هيمنتها العالمية.
الاقتران بين هذه الخطوة والذكرى التاريخية يفتح الباب أمام تساؤلات وجودية: هل نحن على أعتاب حرب عالمية ثالثة؟ وهل يمكن أن يكون تغيير الاسم مجرد إشارة قدرية إلى دخول العالم مرحلة جديدة من الصدام الكوني؟ إن الإجابة عن هذه التساؤلات تبقى مؤجلة إلى قادم الأيام، لكن المؤشرات الدولية ـ من تصاعد التوترات في شرق أوروبا والشرق الأوسط إلى التنافس التكنولوجي والعسكري المتسارع ـ كلها تنذر بأن العالم يقف بالفعل على حافة مرحلة خطيرة قد تعيد إنتاج سيناريوهات الماضي.
إن تغيير تسمية “وزارة الدفاع” إلى “وزارة الحرب” ليس مجرد إجراء لغوي أو بروتوكولي، بل هو انعكاس لتحولات أعمق في بنية التفكير السياسي الأمريكي. وما يزيد من خطورة هذه الخطوة هو توقيتها المتزامن مع ذكرى الحرب العالمية الثانية، بما يحمله ذلك من إيحاءات رمزية وتاريخية. ولئن كان من المبكر الجزم بما إذا كان العالم مقبلًا على حرب عالمية ثالثة، فإن المؤكد أن السياسات الرمزية والإشارات السياسية من هذا النوع تسهم في تشكيل المناخ النفسي والجيوسياسي الذي قد يسرّع من اندلاعها.
