يُعَدّ الإنسان كائنًا استثنائيًا بامتياز، ليس فقط لقدرته على الوعي والتفكير، بل أيضًا لقدرته على تجاوز الحدود التي خُلق مهيأً للبقاء في نطاقها. ففي حين يُظهر الحيوان تكيفًا صارمًا مع القوانين الطبيعية التي تحدد مجاله الحيوي وتضمن استمراريته، نرى الإنسان ميّالًا إلى التمرد على تلك القوانين، متخطّيًا ما يفرضه عليه تكوينه البيولوجي والروحي. من هنا تنشأ المفارقة: لماذا يميل الإنسان إلى الخروج على “الفطرة” التي أُودعت فيه، رغم ما يترتب على ذلك من شقاءٍ فردي وجماعي؟
الحيوان يعيش وفق إملاءات الطبيعة دون قدرة على الانفصال عنها؛ فهو مقيد بغرائزه وحدود طاقته البيولوجية. أما الإنسان فقد زُوّد بحرية الإرادة والعقل النقدي، ما أتاح له القدرة على تجاوز حدوده الطبيعية. غير أنّ هذه الحرية لم تكن دومًا نعمة، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى نقمة، حين اتخذ الإنسان من نزواته معيارًا، فأضحى “الهوى” هو الإله الذي يوجه أفعاله وسلوكياته. هنا يظهر السؤال الجوهري: هل كان الخروج على الفطرة قدرًا تطوريًا محتومًا، أم انحرافًا عن المسار الطبيعي الذي كان من شأنه أن يضمن التوازن بين الإنسان وعالمه؟
يتجلى “اتخاذ الإنسان هواه إلهًا” في سلوكيات العصر الحديث بوضوح بالغ. فالتقدّم العلمي والتقني لم يقتصر على تحرير الإنسان من قيود الطبيعة، بل دفعه أيضًا إلى إعلان نوعٍ من “الألوهية الذاتية”، حيث لم يعد يقبل بسلطانٍ أعلى من إرادته ورغباته. غير أنّ هذا التقديس للهوى لم ينتج عنه نظام حياة مستقر، بل زاد من الفوضى والاضطراب النفسي والاجتماعي. فالميل إلى تجاوز الحدود، وإن بدا تحرّرًا، ينطوي في جوهره على خيانة للفطرة التي تضمن للإنسان توازنه الداخلي وتناغمه مع الوجود.
من منظور تطوري، تبدو بعض النزعات البشرية ــ مثل الفضول، والقدرة على الابتكار، وحتى الميل إلى المغامرة ــ نافعة في مرحلة من المراحل، لأنها ساعدت على التكيّف والتوسع. لكن تحويل هذه النزعات إلى “انفلات مطلق” جعلها تتحول إلى مصدر تهديد، لا إلى وسيلة بقاء. فالخروج على الفطرة الجنسية، مثلًا، أو التمرّد على القوانين الأخلاقية المشتركة، لا يقدم أي منفعة تطورية يمكن تبريرها، بل يُفضي إلى نتائج عكسية، كاضطراب البنى الاجتماعية وظهور أنماط من العزلة والانهيار الأسري. وهنا يُطرح السؤال: أليس هذا الخروج شاهدًا على أنّ الإنسان، بخلاف الحيوان، قد يُسخّر ما وهبه التطور من عقل وحرية لإلغاء مبررات وجوده نفسه؟
العصر الحديث يكشف عن مفارقة لافتة: في الوقت الذي يعلن فيه بعض المفكرين انتفاء الحاجة إلى الإيمان بالله، بدعوى أن نظرية التطور تكفي لتفسير نشأة الإنسان، نراهم أنفسهم يخرجون على قوانين التطور ذاتها، متجاوزين الحدود التي لولاها ما كان الإنسان قد وُجد أصلًا. فهم إذ ينكرون الخالق، يعجزون عن تفسير نزعاتهم الخارجة عن كل منطق طبيعي أو تطوري. هذه المفارقة تضع الفكر الإلحادي أمام مأزق فلسفي مزدوج: كيف يمكن لنظرية التطور أن تكون “مكتفية بذاتها”، في حين أن السلوك الإنساني ذاته يكشف عن خروج متكرر على مقتضيات التطور؟
إنّ اتخاذ الهوى إلهًا ليس مجرد تعبير ديني، بل هو وصف فلسفي-أنثروبولوجي لحالة الإنسان حين يتجاوز حدود فطرته، ويجعل من نزواته مرجعًا أعلى. هذه الحالة ليست دليلًا على قوّة الإنسان بقدر ما هي مؤشر على هشاشته؛ إذ يكشف خروجه على الطبيعة عن أزمة وجودية تتجاوز التفسير التطوري وتستعصي على أي مقاربة وضعية خالصة. ومن هنا، يظل الدين بما يحمله من ضوابط أخلاقية وفطرية، ضرورة كونية لا ترفًا اختياريًا، لأنه وحده ما يكبح جماح “الإنسان المتألّه”، ويعيده إلى موقعه الصحيح: عبدًا لله، لا عبدًا لهواه.
