
في عالم يعج بالضجيج والركض المحموم وراء الإنجازات المادية، تبرز فلسفة يابانية قديمة كنجمة هادية: “الإيكيغاي”. لا يقتصر هذا المفهوم على كونه مجرد سبب للاستيقاظ صباحًا، بل هو دعوة لإيجاد النقطة المضيئة التي تلتقي فيها كل جوانب وجودنا، لتشكل مهمة سامية تستحق أن نعيش من أجلها.
تقليديًا، يتمثل الإيكيغاي في تقاطع أربع دوائر: ما تحب، ما أنت جيد فيه، ما يمكنك كسب المال منه، وما يحتاجه العالم. لكن المعنى الحقيقي والأعمق لهذا المفهوم يتجاوز الفردية ليلامس جوهر الإنسانية. إن الإيكيغاي ليس مجرد شغف شخصي أو مهنة مربحة، بل هو النقطة التي يتفوق فيها العطاء على الأخذ، وتغدو فيها منفعة الآخرين هي الغاية القصوى.
إن الحياة التي ينشدها الإنسان الكريم المحب للخير ليست تلك التي يجمع فيها الثروات أو يحظى بالشهرة، بل هي الحياة التي يرى فيها أثر جهده وعطائه على تخفيف آلام البشرية ورفع معاناتها. هذا هو المعنى الذي عبر عنه الطيار والكاتب الفرنسي الشهير أنطوان دو سانت إكزوبيري عندما قال إن “الجوهر لا تراه العيون”، فالقيمة الحقيقية لا تكمن في المظاهر، بل في الأثر الذي نتركه في حياة الآخرين.
إن كل فرد، مهما كان زمانه أو مكانه، يملك في داخله القدرة على أن يكون منارة خير. سواء كان ذلك عبر كلمة طيبة، مساعدة محتاج، ابتكار يحل مشكلة، أو حتى مجرد إضاءة شمعة في طريق مظلم. هذا العطاء لا يستنزف طاقة الإنسان، بل يملأ روحه بالرضا والسعادة. فالسعادة الحقة ليست في امتلاك الأشياء، بل في القدرة على إعطاء جزء من أنفسنا لمساعدة من حولنا.
هذا المفهوم العميق يجد صدىً له في أسمى التعاليم الإنسانية، ومنها قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “خير الناس أنفعهم للناس”. هذه الكلمات ليست مجرد وصية، بل هي خارطة طريق للحياة. إنها دعوة لأن نجعل من أنفسنا أدوات للخير، وأن نرى في معاناة الآخرين مسؤوليتنا.
عندما نكتشف إيكيغاينا الحقيقي، فإننا لا نكتشف مجرد مهنة، بل نكتشف رسالة. رسالة مفادها أن كل لحظة نبذلها من وقت وجهد ومال في سبيل نفع البشرية، هي لحظة تكتسب فيها حياتنا معناها الأسمى. إنها لحظة نرتفع فيها فوق الذات، ونتصل بجميع أفراد النوع الإنساني، مدركين أن سعادتنا الحقيقية مرتبطة بسعادتهم.
الإيكيغاي ليس وصفة جاهزة، بل رحلة شخصية لاكتشاف الذات والعالم. إنه دعوة لأن نسأل أنفسنا كل صباح: كيف يمكنني اليوم أن أكون سببًا في إحداث تغيير إيجابي في حياة شخص آخر؟ هذا السؤال البسيط هو مفتاح حياة مليئة بالمعنى، وحياة تليق بإنسان أراد أن يكون خيرًا لمن حوله.
