العالَمُ بسببٍ من ترمب أمام خيارَين: حربٌ أهليةٌ أمريكيةٌ ثانية أو حربٌ عالميةٌ ثالثة!

لم يسبق وأن شهدَ العالَمُ اضطراباً سياسياً، تتداخلُ فيه الجغرافيا القُطرية والجغرافياتُ العالمية، كهذا الذي يشهدُه الآن من خروجٍ على السياقاتِ التي تمَّ ترسيخُها منذ الربع الأخير من القرنِ التاسعِ عشر. فإذا كانت السلطاتُ الحاكمة في أمريكا قد استفادت شيئاً استراتيجياً ذا بال من الخسائرِ الكارثية التي تمخضت عنها الحربُ الأهليةُ الأمريكية، فإن بالإمكانِ إيجازَ هذا الدرس بتحذيرٍ مفادُه أنَّه يتوجبُ على الإداراتِ الأمريكيةِ المتعاقبة أن تفعلَ كلَّ ما في وسعِها للحيلولةِ دون أن تكونَ هناك حربٌ أهليةٌ ثانية. ولقد خلصَ المنظِّرون الاستراتيجيون الأمريكيون في الربعِ الأخير من القرنِ التاسع عشر إلى أنَّ الوسيلةَ الوحيدة لضمانِ عدم تكرار سيناريو الحربِ الأهليةِ تكمنُ في أن تكونَ أمريكا مشغولةً على الدوام بحروبٍ خارجَ الجغرافيا الأمريكية. وبإمكانِ المتابعِ للشأنِ الأمريكي، منذ نهايةِ الحربِ الأهليةِ الأمريكية وحتى الأشهرِ الأولى من الولايةِ الثانية للرئيسِ ترمب، لا يمكن أن يفوتَه تبيُّنُ ما نجمَ عن هذا التحذيرِ الاستراتيجي من التزامٍ شبه مطلق بأن تنشغلَ أمريكا على الدوام بحروبٍ تخوضُها، أصالةً أو بالوكالة، على غيرِ أرضِها. وهذا الذي بإمكانِنا أن نتبيَّنه بمتابعةٍ دقيقة لأحوالِ أمريكا بين أي حربَين خاضتهما إنما يقدِّم لنا تصوراً للأسبابِ التي حالت دون أن تبقى جبهةُ الحربِ الخارجية مشتعلةً على الدوام. فـ “الكساد الكبير”، و”الصفقة الجديدة”، و”الحرب الباردة”، لا يمكن أن تجعلَنا ننشغل بتفاصيلِ كلٍّ منها عن تبيُّنِ النسقِ الاستراتيجي بعيدِ المدى الذي ينتظم الزمانَ الممتد بين نهايةِ الحربِ الأهليةِ الأمريكية وحتى أشهرٍ قليلةٍ خلت.
غير أنَّ كلَّ هذا الانتظام، وما اقتضته استمراريتُه من مجهوداتٍ خفية، قد شرعَ بالتهاوي إثرَ خروجِ الرئيس الأمريكي ترمب في ولايتِه الثانية على محدداتِ ذلك التحذيرِ الاستراتيجي، وذلك عبر إخلالِه بالتوازنِ الهش القائمِ بين الولاياتِ الديمقراطية والحكومةِ الاتحادية. فقيامُ ترمب بالاستعانةِ بقوات اتحادية لإحكامِ قبضةِ الدولة على تلك الولايات، أو حتى مجرد التهديد باللجوءِ إليها، يمثلُ خطراً عظيماً يتهددُ الدولةَ الاتحادية ذاتَها، وينذرُ بتفاقمِ الأوضاع وصولاً إلى نشوبِ حربٍ أهليةٍ ثانية لن تنجوَ أمريكا منها هذه المرة.

أضف تعليق