
تتناول هذه الورقة مفهومًا مقترحًا أسميته “متلازمة الإنسان المتأله” (The Self-Deified Man Syndrome)، وهو توصيف لحالة وجودية ونفسية يعيشها الإنسان كلما تمرد على الله وشرائعه، ورأى في الوحي تقييداً لحريته وإذعاناً غير مقبول. تهدف الورقة إلى تحليل جذور هذه المتلازمة، ومظاهرها السلوكية، وإطارها الفلسفي، ومقاربتها من منظور التحليل النفسي والأنثروبولوجيا الدينية، وربطها بالسجال الفلسفي الحديث من نيتشه إلى فرويد.
الله كسلطة قاهرة: يتصوّر الإنسان في إطار هذه المتلازمة أن الله أشبه بـ “الديكتاتور الكوني” الذي يمارس وصاية كاملة على تفاصيل حياته، من مأكله وملبسه وعلاقاته الاجتماعية والجنسية، وصولاً إلى عواطفه وأحاسيسه.
التحرر كإغراء: لهذا يرى الإنسان أن التحرر من هذه السلطة هو الشرط الأول لتحقيق ذاته. ويترجم ذلك في العصيان المباشر لما هو محرّم، مثل شرب الخمر، ارتكاب الفواحش، أو التجريب الجنسي غير المشروع.
منعكس التحريم: ما ينهى الله عنه يصبح في نظر الإنسان مثيراً للإغراء. المخالفة تتحول إلى إثبات للحرية، بل إلى طقس يكرس “ألوهته” الذاتية.
احتمالية الوجود والإلغاء: حتى على مستوى الفكر، يميل الإنسان إلى تغليب احتمالية عدم وجود الله على احتمالية وجوده، رغم أن المنطق العقلي يساوي بينهما (50%-50%). التمرد الفكري هنا استمرار للتمرد العملي.
نيتشه (1844–1900): أعلن “موت الإله”، ورأى أن الإنسان الحديث لم يعد بحاجة إلى سلطة فوقية. لكنه لم يقصد الإلحاد الساذج، بل أشار إلى انهيار الإطار القيمي التقليدي.
الإنسان الأعلى (Übermensch): يصبح الإنسان هو مشرّع القيم الجديدة، متخطياً كل قداسة سابقة. وهذا يتقاطع بوضوح مع فكرة “متلازمة الإنسان المتأله”، إذ يسعى الإنسان ليكون إلهاً لذاته، مرجعاً نهائياً للمعنى.
فرويد (1856–1939): في تفسيره للدين كإسقاط لصورة الأب الكلّي، يرى أن التمرد على الله هو استمرار لتمرد الابن على سلطة الأب.
المكبوت والمحرّم: ممارسة المحرمات (كالزنا، السكر، الشذوذ) ليست مجرد انحراف أخلاقي، بل هي فعل رمزي لتحطيم سلطة الأب/الإله.
النتيجة: الدين عند فرويد “وهم جماعي”، والتمرد عليه يعكس رغبة لاشعورية في تحطيم القيد الأبوي.
المقدس والمدنس (إميل دوركهايم): حيثما وُجد المقدس وُجد الميل الإنساني إلى تدنيسه. “المتلازمة” هي الوجه الحديث لهذه الجدلية القديمة.
الإنسان المشرّع: في المجتمعات الحديثة، انتقل الإنسان من كونه مخلوقاً متلقياً للشريعة إلى واضعٍ للقوانين، ناسفاً أي مرجعية عليا. هذا التحول يعبّر عن نزعة تأليه الذات.
الفراغ الوجودي: التمرد لا يقود إلى الحرية المطلقة، بل إلى العدمية (كما لاحظ نيتشه نفسه).
الشقاء الحتمي: القرآن يصف مآل هؤلاء بـ “الشقاء والهلاك”، إذ تتحول الحرية المطلقة إلى عبودية للشهوات.
إعادة إنتاج الديكتاتورية: حين يُقصى الله، يستبدل الإنسان سلطته بسلطات بشرية قاهرة (دولة، أيديولوجيا، سوق)، فيتكرر الاستبداد في شكل جديد.
تدلنا متلازمة الإنسان المتأله على أن النزوع إلى التحرر من الله ليس مجرد خيار فردي، بل هو مسار حضاري متكرر، يجد جذوره في النفس البشرية والفلسفة والتاريخ. ويبقى السؤال الجوهري:
هل يمكن للإنسان أن يعيش حرّاً من دون أن “يتأله”؟
وهل التحرر من الله يقود إلى خلاص الإنسان أم إلى هلاكه؟
