
تسعى المجتمعات الإنسانية، عبر تاريخها الطويل، إلى الإجابة عن سؤال الوجود: ما الغاية من الحياة؟. وقد تنوّعت الإجابات باختلاف الأديان والفلسفات والثقافات، لكنّها جميعًا اتفقت على أن المعنى الحقيقي للوجود الإنساني لا يتحقق في الانكفاء على الذات، بل في الانخراط في مشروعٍ يتجاوز حدود الفرد، ليطال الجماعة والإنسانية جمعاء. ويُعدُّ مفهوم الإيكيغاي (Ikigai) الياباني من أبرز الإجابات الحديثة على هذا السؤال.
غير أن هذا المفهوم، على أصالته، لا ينفصل عن إرث إنساني وفكري ممتد، نجده في النصوص الدينية والفلسفية، ومنها الرؤية القرآنية التي جعلت من منفعة الناس معيارًا للتفاضل ومقياسًا للخيرية.
يُعرَّف الإيكيغاي بأنه “سبب الاستيقاظ صباحًا”، أي الحافز الداخلي الذي يجعل الإنسان يجد معنى لحياته. ويقوم هذا المفهوم على تقاطع أربعة عناصر أساسية:
ما يُحبّه الإنسان.
ما يُتقنه من مهارات.
ما يحتاجه العالم.
ما يمكن أن يدرّ عليه عائدًا معيشيًا.
إن اجتماع هذه العناصر يمنح الفرد حالة من الانسجام بين ذاته وعالمه، ويُشعره بالرضا والسعادة. غير أن القراءة المتعمقة تكشف أن الإيكيغاي، في أبعاده الأسمى، ليس مجرد سعي ذاتي لتحقيق السعادة الفردية، بل هو مشروع أخلاقي وإنساني يجعل خدمة الغير جزءًا من جوهر وجود الإنسان.
يجد الإيكيغاي صداه في الفكر الغربي المعاصر، خصوصًا في كتابات أنطوان دو سانت-إكزوبري، صاحب “الأمير الصغير”. ففي خاتمة هذه الرواية الرمزية، يبرز معنى التضحية والعطاء باعتبارهما قمة الفضيلة الإنسانية. ومن خلال شخصية الأمير، يؤكد إكزوبري أن الإنسان لا يُعرَف بقيمته الذاتية فحسب، بل بما يقدمه من حب وخير للآخرين.
إن هذا التلاقي بين الثقافة اليابانية والفرنسية يعكس حقيقة أن الإيكيغاي ليس مجرد مفهوم محلي، بل هو نزعة إنسانية عالمية، تعبّر عن حاجة الوجود البشري إلى معنى يتجاوز الفردية نحو الأفق الكوني المشترك.
إذا انتقلنا إلى القرآن الكريم، وجدنا أن النصوص تؤصّل لهذا المعنى بوضوح:
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
هاتان الآيتان تضعان إطارًا واضحًا لمهمة الإنسان في هذه الحياة: أن يكون في خدمة الخير العام، ناشرًا لقيم الصلاح، رافضًا لمظاهر الفساد. وقد لخّص النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا الهدف بقوله: “خير الناس أنفعهم للناس”، وهو قول يجعل معيار الأفضلية قائمًا على مدى نفع الفرد للمجتمع، لا على انتماءاته أو مظاهره الشكلية.
يظهر من المقارنة أن ثمة نقاط التقاء عميقة:
كلا التصورين يجعل الآخر محورًا في تعريف المعنى: فالإنسان لا يحقق ذاته إلا إذا كان نافعًا لغيره.
كلاهما يرفض العزلة الأنانية، ويؤكد أن المعنى يتحقق في إطار الجماعة.
لكنّ الرؤية القرآنية تضيف بعدًا تعبديًا، إذ تجعل خدمة الآخرين ليست مجرد خيار أخلاقي، بل عبادةً لله ومظهرًا من مظاهر الإيمان.
وبذلك، يمكن القول إن أفضل صيغة للإيكيغاي، في المنظور الإسلامي، تتمثل في جعل خدمة الناس والدعوة إلى الخير بوصلة للحياة وسراجًا للمستقبل.
يثير مفهوم الإيكيغاي أسئلة فلسفية كبرى:
هل معنى الحياة يُكتَسب من الداخل (الرغبات والمهارات)، أم من الخارج (حاجة العالم والآخرين)؟
هل المنفعة معيار كافٍ لتعريف الغاية، أم أن الغاية يجب أن ترتبط بمطلقٍ أعلى يوجهها (كالله في التصور الإسلامي)؟
هل السعادة الذاتية نتيجة حتمية لخدمة الآخرين، أم أنها ثمرة مشروطة بوعي الإنسان وصدق نيته؟
إن معالجة هذه الأسئلة تُظهر أن الإيكيغاي ليس مجرد ممارسة حياتية، بل إطار فلسفي وأخلاقي يربط بين الفرد والجماعة، بين الخاص والعام، وبين الأرض والسماء.
إن مفهوم الإيكيغاي، في أصله الياباني أو في تجلياته الإنسانية العامة، يقدم إجابةً عميقة عن سؤال الغاية. غير أن اكتمال هذه الإجابة لا يتحقق إلا إذا استُضيء بنور الوحي القرآني، الذي يجعل منفعة الناس غايةً في ذاتها ووسيلةً للتقرب إلى الله في آن. وبذلك، يغدو الإنسان الذي يسعى في خدمة البشرية جامعًا بين السعادة الفردية والواجب الجماعي، بين الرضا الذاتي والمغزى الكوني.
إن الإيكيغاي الأسمى ليس مجرد “سبب للاستيقاظ صباحًا”، بل هو أن يستيقظ المرء كل يوم على نية أن يكون خير الناس أنفعهم للناس.
