قسوة الإنسان… معضلة تفسيرية خارج المقاربة التطورية

تفترض النظرية الداروينية أن السمات التي يحملها الإنسان هي نتاج تراكم طويل من الانتخاب الطبيعي، بما يضمن بقاء النوع وتكاثره. لكن القسوة، أي إلحاق الألم بالآخر من غير داعٍ وجودي مباشر، تبدو عصيّة على هذا التفسير. فبينما يمكن فهم العنف في إطار التنافس على الموارد أو الحماية، فإن القسوة تمثل فائضاً سلوكياً لا يُردّ إلى اقتصاد الطبيعة الصارم. وهنا تكمن المفارقة: كيف تفسر المقاربة التطورية نزعة لا وظيفة لها سوى إظهار المهابة أو بث الرعب؟

أولاً: الحيوان والعنف الوظيفي
1. الضبط الطبيعي للسلوك الحيواني
كما يوضح كونراد لورنتس في كتابه On Aggression (1966)، فإن العنف الحيواني منضبط بوظائف محددة: الدفاع عن المجال الحيوي، التنافس الجنسي، والحصول على الغذاء. هذه الأفعال، مهما بدت قاسية للعين البشرية، تؤدي وظائف مباشرة وضرورية.
2. غياب الاستعراض الرمزي
الحيوان لا يمارس القسوة استعراضاً أو إذلالاً. حتى ما يبدو “وحشياً”، مثل افتراس الأشبال عند الأسود، له وظيفة بيولوجية: ضمان تمرير الجينات الأقوى. لا يوجد فائض رمزي كما في قسوة الإنسان، حيث يصبح الألم وسيلة لإرسال رسالة اجتماعية أو سياسية.

ثانياً: الإنسان وسلوكيات القسوة
1. القسوة كرسالة اجتماعية
يشير ميشيل فوكو في المراقبة والمعاقبة (1975) إلى أن العقوبات القاسية في أوروبا الوسيطة لم تكن مجرد آليات للردع، بل استعراضات رمزية للسلطة تهدف إلى بثّ الرعب في النفوس. هذا المثال يوضح أن القسوة لدى الإنسان ليست مجرد فعل عدواني، بل رسالة اجتماعية مشحونة بالمعاني.
2. القسوة كفائض سلوكي
هنا تكمن المعضلة التطورية: لا تزيد القسوة فرص البقاء، بل تهدد بتفكك الجماعة وتوليد دوامات انتقام. وهكذا تخرج القسوة من منطق “التكيف” إلى منطق “الفائض” أو “العبث”.

ثالثاً: محاولات تفسيرية
1. المقاربة التطورية الموسعة
بعض الباحثين مثل ستيفن بينكر في The Better Angels of Our Nature (2011) يقترح أن العنف البشري في تراجع بفضل التمدّن والقانون. غير أن هذا الطرح يتجاهل أن القسوة ليست مجرد عنف، بل سلوك استعراضي لا جذور بيولوجية له، وهو ما يجعلها تظل عصية على التفسير التطوري الضيق.
2. المقاربة النفسية
عند فرويد (Beyond the Pleasure Principle, 1920)، نجد أن العدوانية والقسوة تعبير عن “غريزة الموت” الكامنة في النفس البشرية.
أما آدلر فربط القسوة بمحاولة تعويض الشعور بالنقص عبر فرض السيطرة على الآخر.
وفي سياق آخر، اعتبر إريك فروم (The Anatomy of Human Destructiveness, 1973) أن القسوة والسادية ليستا ضروريتين بيولوجياً، بل نزعتان مرضيتان ناشئتان عن اضطرابات في البنية الاجتماعية-النفسية.
3. المقاربة الأنثروبولوجية
تناول رينيه جيرار في كتابه Violence and the Sacred (1972) فكرة العنف الطقسي، حيث تُمارس القسوة في إطار تضحية جماعية تهدف إلى إعادة إنتاج النظام الاجتماعي. هذه القراءة تبرز أن القسوة ليست بيولوجية، بل ثقافية ورمزية.

رابعاً: حدود المقاربة التطورية

إن محاولة تفسير القسوة عبر نظرية الانتخاب الطبيعي تواجه ثلاث عقبات رئيسية:
غياب الوظيفة الوجودية: القسوة لا تحسّن فرص البقاء أو التكاثر.
تعارضها مع اقتصاد الطبيعة: فهي إسراف في الطاقة والموارد.
طابعها الرمزي: إذ تُمارس لأهداف استعراضية لا وجود لها في السلوك الحيواني.
القسوة إذن تكشف حدود المقاربة التطورية الصارمة، وتفرض اللجوء إلى تكامل بين الفلسفة وعلم النفس والأنثروبولوجيا لفهم الظاهرة.

خامساً: القسوة ومعنى الإنسان

من منظور فلسفي، قد تكون القسوة دليلاً على أن الإنسان كائن خرج على الطبيعة. فبينما تحكم الحيوان قوانين الضرورة، يمتلك الإنسان حرية تسمح له بخرق تلك الضرورة، حتى في اتجاه سلبي. وهنا نجد صدى لطرح نيتشه في ما وراء الخير والشر (1886)، حيث يرى أن الإنسان يسعى إلى فرض إرادته حتى عبر الألم الذي يوقعه بالآخر.

تظل قسوة الإنسان لغزاً خارج المقاربة التطورية. فهي ليست سلوكاً وظيفياً، بل فائضاً استعراضياً يفضح قدرة الإنسان على كسر حدود الطبيعة. هذه السمة تكشف أن فهم الإنسان لا يمكن أن يُختزل في قوانين الانتخاب الطبيعي، بل يحتاج إلى مقاربة متعددة المستويات: تطورية، نفسية، أنثروبولوجية، وفلسفية. ومن هنا تصبح القسوة مرآة تعكس ليس فقط الجانب المظلم من الطبيعة الإنسانية، بل أيضاً حدود التفسير العلمي الأحادي.

أضف تعليق