
لا يمكنُ الحديثُ عن الأمومة في عالَمِ الإنسان إلا من بعد استحضارِ الحقيقةِ التي مفادها أنَّ الفردَ لا وجودَ له في عالَمِ الطبيعة بمعزلٍ عن النوع، وأنَّ العلاقةَ بينهما هي السبيلُ الوحيد لتحديدِ الكيفيةِ التي يتأتَّى للفردِ بموجبِها أن يكونَ ذا نفعٍ للنوع. فلا يمكنُنا على الإطلاق أن نحدِّدَ الوجهَ الحقيقي للفرد إلا من بعدِ تشخيصِنا الصائب لدورِه الوظيفي في خدمةِ النوع وتمكينِه من تحقيقِ مبتغاه والوصولِ بالتالي إلى أهدافِه. وخيرُ مثالٍ على هذه العلاقةِ الوظيفية التي تربطُ بين الفردِ والنوع هو الدورُ الوظيفي الذي أُنيطَ به إلى الأنثى باعتبارِها الرابط المتجاوز للزمان، والذي يصِلُ حاضرَ النوعِ بمستقبلِه، والذي يتيح له أن يتواجدَ في الزمانِ القادم، كما ضمن له ما يحقِّقُ له انتشارَه في المجالِ الحيوي الذي سبق وأن حدَّدت الطبيعةُ حدودَه المكانية. ولذلك فلا معنى يمتُّ للطبيعةِ بأي صلة لكلِّ تلك الدعوات التي يدعو أصحابُها لتحريرِ المرأة من وهمِ الخضوعِ لسلطانِ غريزةِ الأمومة بحجةِ كونِ هذه الغريزة لا دورَ لها في بقاءِ المرأةِ كينونةً كما هو الحالُ مع غيرِها من الغرائزِ الوجودية كغريزةِ الطعام والشراب والنوم وغيرِها من الغرائز التي تكفلُ للفردِ البقاء.
فهذه الدعاوى لا ترى المرأةَ إلا بكينونتِها الفردية دون أن تأخذَ بنظرِ الاعتبار أنَّ الفردَ لا وجودَ له بمعزلٍ عن النوع الذي هو مَن قام بتزويدِ أفراده بكلِّ ما يكفلُ لهم بقاءه وانتشارَه وامتدادَه اللاحق في الزمان من أجهزةِ تواصلٍ جنسي هدفُها الأوحد هو خدمةُ النوع ليس إلا. فالأنثى في عالَمِ الإنسان يحقُّ لها أن تختارَ ألا تكونَ أماً، كما يحقُّ لها أن تختارَ ألا تكونَ زوجة، ولكن الاحتجاجِ بكونِها لا تحتاجُ غريزةَ الأمومة حتى يُكتَبَ لها البقاء، كحاجتِها للطعامِ والشرابِ والنوم، لا يملكُ من المنطقِ ما يؤيد مشروعيةَ قرار مَن اختارت ألا تصبحَ أماً.
إنَّ النوعَ لا ينظرُ إلى أفرادِه على أنَّهم ذكورٌ أو إناث، ولكنه ينظرُ إلى الدورِ الوظيفي لكلٍّ منهم في خدمةِ مشروعِه التطوري الذي تم الترسيخُ له داخلَ عالَمِ الطبيعة على مدى ملايين السنين. ولذلك كانت الأمومة أقوى دافعٍ غريزي رسَّخته قوانينُ الطبيعةِ الصارمةُ حتى يضمنَ النوعُ قيامَ كلِّ فردٍ بتنفيذِ الدورِ المُناطِ به. فغريزةُ الأمومة أقوى من الغريزةِ الجنسية؛ كيف لا وهي التي لولاها ما كان للمرأةِ أن تتمايزَ بكلِّ ما جعلها أنثى. فالمرأةُ أمٌ “بالقوة” قبل أن تكونَ أنثى “بالفعل”. وهنا يكمنُ جوهرُ المسألةِ التي اختلف بشأنِها دعاةُ تحرير المرأة من عبوديتِها المزعومة لما يحسبون أنه دورُها الذي حددته الإرادةُ الذكورية على مرِّ التاريخ ولم تحدِّده إرادةُ النوع. وبهذا التخريج غيرِ الموفق، بحكمٍ من كونِه يفتقرُ إلى المنطقِ العِلمي، فلقد برهن الدعاةُ والداعياتُ إلى تحريرِ المرأة من أمومتِها، وذلك على حسابِ الإعلاءِ من شأنِ أنوثتِها التي يرونها التجلِّي الأمثل لروحِها المتمردة ولإرادتِها التي تمَّ قمعُها وقهرُها على مدى آلافِ السنين، على أنهم لم يتبيَّنوا التاريخَ التطوري للإنسان، والذي حدَّدَ للمرأةِ والرجل دورَهما الوظيفي في خدمةِ النوع تحديداً تمخَّضَت عنه كينونةُ كلٍّ منهما، وبالكيفيةِ التي لن تُفلِحَ أبداً أيُّ محاولةٍ تسعى لتعظيمِ “الأنا” عند المرأةِ، وبما يضخِّمُ ذاتَها ويعسِّرُ عليها أمرَ الارتقاءِ بالنفسِ التي ابتُلِيَت بها إلى مصافٍ خُلِقت مؤهلةً لتبلغَها فتحقِّقَ بذلك الغايةَ التي خُلِقَت لأجلِها.
