الأوهام ودورها في صياغة المنظومة الوجودية للإنسان

تُعَدُّ مسألة علاقة الإنسان بالأوهام من أعقد القضايا في الدراسات الفلسفية والأنثروبولوجية. فبينما تصرُّ المدارس التطورية السائدة على ربط كل سلوك إنساني بجذوره البيولوجية في عالم الحيوان، تبقى ظواهر فريدة مثل القدرة على صناعة الأوهام والانغماس فيها عصيّة على التفسير التطوري البحت. ومن هنا يثور التساؤل: هل الأوهام مجرد منتجات عقل بشري واعٍ، أم أن الإنسان ذاته بات صنيعة هذه الأوهام التي أعاد تشكيل ذاته وواقعه وفقها؟
تنطلق المقاربة الداروينية التقليدية من افتراض مفاده أن كل سلوك بشري لا بد أن تكون له قيمة تكيفية (Adaptive Value) ساعدت على بقاء النوع. غير أن هذا الافتراض يواجه مأزقًا حين يتعلق الأمر بالسلوكيات الوهمية: الإيمان المطلق بالمعتقدات غير البرهانية، الانخراط في الطقوس السحرية، الانجذاب إلى السرديات الكبرى، بل وحتى التضحية بالنفس في سبيل فكرة أو رمز. هذه الأفعال، من منظور انتقائي صرف، قد تضعف فرص البقاء بدل أن تعززها. فما الذي يجعلها متجذّرة في التاريخ الإنساني ومستمرة حتى اليوم؟
الحيوان، مهما بلغت درجة تعقيده العصبي، لا يظهر سلوكيات يمكن تصنيفها كـ “وهمية”. تصرفاته كلها مشروطة بمقتضيات البقاء: البحث عن الغذاء، التكاثر، تجنّب الخطر. حتى السلوكيات التي قد تبدو “لعبية” عند الثدييات أو الطيور، يفسرها علماء السلوك الحيواني باعتبارها تدريبًا أو محاكاة تهدف إلى تحسين مهارات البقاء. في المقابل، الإنسان قادر على اختلاق عوالم كاملة من الرموز والمعتقدات والصور الذهنية التي قد لا ترتبط بأي فائدة بيولوجية مباشرة، بل أحيانًا تنقلب إلى عائق أمام البقاء الفردي.
يقدّم علم النفس التطوري تفسيرات لبعض الأوهام من منظور التكيف الاجتماعي:

الوهم كآلية لتقليل القلق الوجودي: فالموت، بوصفه حقيقة يقينية، يولّد قلقًا دائمًا. الاعتقاد بوجود حياة بعد الموت أو قوى غيبية راعية يقلل هذا القلق. يشير إرنست بيكر (1973) في كتابه” إنكار الموت” إلى أن الحضارات كلها قامت على هذا الأساس.

الوهم كضامن للتماسك الاجتماعي: الطقوس المشتركة، مهما بدت غير عقلانية، تعزز الانتماء للجماعة. يرى باسكال بوير (2001) أن الأديان لم تكن مجرد أخطاء إدراكية بل أدوات لتشكيل الهوية الجماعية.

الوهم كمحفّز للإبداع: الأوهام فتحت الباب أمام الخيال الأدبي والفني، وهو ما انعكس بدوره على قدرات الإنسان في التخطيط والتصور والابتكار.
لكن هذه التفسيرات، رغم أهميتها، لا تجيب بشكل كامل عن السؤال: لماذا نشأت هذه السلوكيات أصلاً إذا لم تكن لها بالضرورة فائدة بقاء مباشرة؟
تشير دراسات علم الأعصاب إلى أن القشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex)، وهي الجزء المسؤول عن التفكير التجريدي والتخطيط المستقبلي، قد أسهمت في جعل الإنسان كائنًا رمزيًا. هذا الانفتاح الرمزي جعل الدماغ ينتج أنماطًا إدراكية فائضة (Hyperactive Agency Detection Device, HADD) كما يسميها بعض علماء الإدراك، أي ميلًا لرؤية أنماط وفاعلية وراء الظواهر حتى حين لا وجود لها. هذا الميل نفسه هو ما يقف وراء الاعتقاد الشعبوي بالآلهة، الأرواح، القوى الخفية، ونظريات المؤامرة.
يبدو أن مسيرة الإنسان لم تكن خطًّا مستقيمًا من الغرائز الحيوانية إلى العقلانية البشرية، بل شهدت ما يمكن تسميته بـ “تحويلة تطورية” (Evolutionary Detour). هذه التحويلة جعلت الإنسان يتجاوز حدود البقاء البيولوجي ليدخل في فضاء رمزي مفتوح.
من منظور أنثروبولوجي، هذا الانحراف منح الإنسان قدرة على بناء ثقافات معقدة، لكنه في الوقت نفسه جعله عرضة لأن يصبح أسيرًا لمنتجات رمزه: أسيرًا للأديان، للأيديولوجيات، للسرديات الكبرى.
من منظور فلسفي، هذه التحويلة تعني أن الإنسان ليس “الحيوان العاقل” فحسب، بل “الحيوان الواهم” الذي يعيش بقدر ما يتشبث بأوهامه.
إنّ الإنسان ليس مجرد صانع للأوهام، بل هو أيضًا صنيعتها. فالأوهام لم تبقَ على الهامش، بل تحولت إلى قوى مهيمنة تعيد تشكيل وعي الإنسان وواقعه. والمقاربة التطورية السائدة، إن اكتفت بتفسير السلوكيات البشرية من منظور البقاء البيولوجي، فإنها تعجز عن إدراك هذه الحقيقة: أن الأوهام نفسها قد أصبحت جزءًا من البيئة التطورية للإنسان، قوة تحدد مصيره بقدر ما تحدده الجينات والانتقاء الطبيعي. وهكذا يغدو السؤال المفتوح: هل يملك الإنسان القدرة على تحرير نفسه من أوهامه، أم أن هذه الأوهام هي شرط وجوده ذاته؟

Becker, E. (1973). The Denial of Death. Free Press.
Boyer, P. (2001). Religion Explained: The Evolutionary Origins of Religious Thought. Basic Books.
Dawkins, R. (2006). The God Delusion. Bantam Press.
Dennett, D. (2006). Breaking the Spell: Religion as a Natural Phenomenon. Viking.
Freud, S. (1927). The Future of an Illusion. Hogarth Press.
Guthrie, S. (1993). Faces in the Clouds: A New Theory of Religion. Oxford University Press.
Pinker, S. (1997). How the Mind Works. W. W. Norton.

أضف تعليق