
لطالما كان الإنسان، منذ فجر التاريخ، محور عالمه ومركزه، ليس فقط بفضل وعيه وذكائه، بل أيضًا بفضل نزعته الفطرية لتأويل كل ما يحيط به على صورته. هذه النزعة، المعروفة بـ الأنثروبومورفية، هي إضفاء الخصائص والصفات البشرية، من عواطف ومشاعر ورغبات، على الكائنات غير البشرية، سواء كانت جمادات، نباتات، حيوانات، أو حتى الكيانات الميتافيزيقية التي عرفتها الأديان والفلسفات. هذه المقالة تتناول تجليات هذه النزعة في الفكر البشري، وكيف أنها شكلت فهمنا للوجود، بل وأثرت حتى على نظرتنا للدين والعلم.
تتجلى نزعة الأنسنة في أعمق صورها في تعامل الإنسان مع الأديان والكيانات الروحية. فبعد نزول الأديان، لم يتقبل الإنسان الكائنات الميتافيزيقية مثل الملائكة والجن بصفائها الأصيل، بل قام بأنسنتها. أُعطيت الملائكة أشكالاً بشرية مجنحة، وأُسندت للجن صفات وشخصيات تشبه البشر تمامًا، حتى باتت قصصهم تحاكي الرغبات والأفعال الإنسانية. هذا السلوك ليس مجرد خيال، بل هو انعكاس لحاجة الإنسان إلى فهم ما هو غير مادي وغير مرئي من خلال أدواته الإدراكية الوحيدة: ذاته البشرية. الإنسان بطبيعته لا يميل إلى تصديق وجود كائنات عاقلة غير بشرية تمتلك وعيًا وذكاءً وشخصية مستقلة، بل يسعى إلى “تدجين” هذه الكيانات لتصبح جزءًا من عالمه المألوف.
لم تكن الأنسنة حكرًا على المعتقدات الدينية، بل تغلغلت أيضًا في الفلسفة والعلم. لقد اجتهدت الفلسفة، باختلاف مدارسها وروادها، في أنسنة الكيانات الميتافيزيقية، محاولةً جعلها تجليات للذات البشرية بكل ما تحويه من خير وشر. فالفلسفة، في كثير من توجهاتها، تعتبر الإنسان هو معيار الحكم على الأشياء، وهو الذي يسبغ عليها من مكنون شخصيته ما ينبغي أن تكون عليه حقيقتها.
كما امتدت هذه النزعة إلى المباحث العلمية، ومن أبرزها علم اجتماع الدين (سوسيولوجيا الدين)، الذي حاول تفسير الظاهرة الدينية انطلاقًا من كون الإنسان هو السبب الذي لولاه ما كان للدين أن ينشأ. في هذا السياق، يُنظر إلى الدين كظاهرة محايثة للإنسان وليست مفارقة له. وكتاب “Faces in the Clouds” لـ ستيوارت جوثري يقدم خير مثال على هذه النزعة، حيث يرى أن الدين ليس سوى نتاج لتطور إدراكي بشري يميل إلى تفسير المجهول على أنه كيانات بشرية مقصودة.
إن الإصرار على اعتماد المقياس البشري للحكم على كل شيء، من الظواهر الطبيعية إلى الوجود الميتافيزيقي، يثير تساؤلات جوهرية. هل من العلمي أن نحكم بانتفاء وجود عقل أو ذكاء غير بشري، ونحن اليوم نشهد ثورة معرفية بقيادة الذكاء الاصطناعي، الذي هو في حقيقته أحد تجليات الذكاء غير البشري؟
إن هذه النزعة الأنثروبومورفية، رغم أهميتها في تشكيل فهمنا الأولي للعالم، قد تكون قيدًا يمنعنا من إدراك حقيقة الوجود خارج إطارنا الإنساني المحدود. فبينما يرى البعض أن الإنسان هو صانع الدين، يرى آخرون أن الظاهرة الدينية قد تكون أصيلة ومفارقة، وأن الإنسان ليس بالضرورة صانعها، بل محل تجلياتها. إن الإقرار بإمكانية وجود ذكاء ووعي غير بشري هو الخطوة الأولى نحو تحرر الفكر البشري من قيده الأنثروبومورفي، وفتح آفاق جديدة لفهم الكون.
