الأمومة بين الحتمية البيولوجية والجدل الثقافي… مقاربة تطورية-فلسفية

تمثل الأمومة إحدى أكثر الظواهر الإنسانية تعقيدًا من حيث موقعها بين الطبيعة والثقافة. فهي من جهة امتدادٌ مباشر لغريزة تطورية راسخة ضمنت بقاء النوع الإنساني عبر ملايين السنين، ومن جهة أخرى موضوع جدل فلسفي واجتماعي حاد يتصل بحقوق المرأة وحرياتها الفردية. إنَّ هذه الازدواجية بين الدور الوظيفي البيولوجي والخيارات الفردية الثقافية تجعل من الأمومة نموذجًا فريدًا لدراسة العلاقة الجدلية بين الفرد والنوع، وبين الطبيعة والثقافة.
تُظهر الدراسات في علم الأحياء التطوري أنَّ رعاية الصغار (parental investment) تمثل أحد أهم المحركات لبقاء النوع وانتشاره (Trivers, 1972). فالأنثى، في معظم الثدييات، طُبعت بقدرات فسيولوجية ونفسية تمكّنها من رعاية نسلها، بدءًا من الحمل والرضاعة وصولًا إلى توفير الحماية والتنشئة. وتشير بحوث في علم الأعصاب إلى أن هرمونات مثل الأوكسيتوسين والبرولاكتين تلعب دورًا محوريًا في ترسيخ مشاعر الأمومة ودوافعها، بحيث تصبح هذه الغريزة أكثر رسوخًا حتى من الغريزة الجنسية ذاتها (Feldman, 2015).
من هنا يمكن القول إن الأمومة ليست خيارًا طارئًا، بل هي مكوّن تطوري أصيل يربط حاضر النوع بمستقبله، ويجعل الأنثى الرابط الحيوي لاستمرارية الوجود الإنساني.
تكشف المقاربات الأنثروبولوجية أن الأمومة لم تُفهم عبر التاريخ الإنساني فهمًا واحدًا، بل تنوّعت أنماطها بحسب البنى الاجتماعية والثقافية. ففي المجتمعات القبلية التقليدية، ارتبطت الأمومة بوظائف القرابة وبقاء الجماعة، بينما في المجتمعات الحديثة ارتبطت أكثر بفكرة “الاختيار الفردي”. غير أن هذا التحول لم يُلغِ البعد البيولوجي، بل أضاف إليه بعدًا ثقافيًا أعاد تعريف وظيفة المرأة وموقعها.
إذًا، الأمومة ليست فقط حتمية طبيعية، بل أيضًا مؤسسة اجتماعية تتغير أنماطها ودلالاتها بحسب السياقات التاريخية والثقافية (Hrdy, 1999).
يرى دعاة “تحرير المرأة” من الأمومة أن هذه الغريزة ليست ضرورية لبقاء الفرد، كما هو الحال مع حاجاته الأولية (الغذاء، الماء، النوم). غير أن هذا الطرح يغفل عن أن بقاء الفرد لا ينفصل عن بقاء النوع. فالفرد جزء من مشروع تطوري أكبر، حدّدت قوانين الطبيعة فيه الأدوار الوظيفية التي تحفظ استمرارية الحياة. وبذلك فإن رفض الأمومة بدعوى تعزيز “الأنا الفردية” قد يكون متسقًا مع خطاب ثقافي-سياسي معين، لكنه يتعارض مع المنطق التطوري الذي جعل من الأمومة دافعًا أقوى من الغريزة الجنسية ذاتها.

إن الأمومة ليست “عبودية” فرضها التاريخ الذكوري، ولا مجرد خيار فردي يمكن تجاوزه دون تبعات، بل هي آلية تطورية ومؤسسة اجتماعية في آنٍ واحد. فهي الرابط الذي يضمن للنوع البقاء والانتشار، وهي في الوقت ذاته فضاء يعاد تعريفه باستمرار وفق تحولات الثقافة. لذلك فإن أي محاولة للتقليل من شأن الأمومة أو تفريغها من بعدها التطوري تمثل إغفالًا لأحد أقوى المحركات التي صاغت هوية المرأة عبر التاريخ الطبيعي والإنساني.

أضف تعليق