
يُطرَح سؤال التفاوت الحضاري بين الغرب والشرق عادةً في صيغة: لماذا تقدَّم الغرب؟ ولماذا تخلَّف الشرق؟ وهو سؤال إشكالي ذو طابع مزدوج: معرفي من حيث الظاهر، وإيديولوجي من حيث المضمر. فغالبًا ما يُراد به تثبيت نتيجة مسبقة مفادها أن التقدم الغربي نتج عن القطيعة مع الدين، وأنّ تخلف الشرق مردّه تمسّكه بالدين والتراث. غير أنّ الدراسة الأكاديمية لهذا الموضوع تستلزم تفكيك السؤال، وإعادة صياغته ضمن إطار تاريخي-مقارن يدرس العوامل الموضوعية للتقدم والتأخر.
شهدت أوروبا منذ القرن السابع عشر ما يُعرف بالثورة العلمية، حيث تبلور المنهج التجريبي بفضل أعمال غاليليو، وديكارت، ونيوتن. وقد ترافق هذا التحوّل المعرفي مع الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، والتي منحت الغرب قدرة غير مسبوقة على السيطرة على الموارد والأسواق. يلاحظ المؤرخ ديفيد لاندز (David Landes) أنّ “الثورة الصناعية لم تكن مجرد تقدم تقني، بل كانت ثورة في بنية المجتمع والاقتصاد معًا”【Landes, 1998: The Wealth and Poverty of Nations】.
إلى جانب العلم والتصنيع، أسهمت الدولة الحديثة (مع مؤسساتها القانونية والإدارية) في تثبيت أسس النهضة الغربية. فالعلاقة بين تطور الجامعات الأوروبية واستقلاليتها النسبية عن السلطة الكنسية كانت عاملًا مركزيًا في إتاحة حرية البحث العلمي【Grafton & Jardine, 1986: From Humanism to the Humanities】.
واجهت المجتمعات الشرقية – في العالم الإسلامي وآسيا – تحديات مركّبة حالت دون اللحاق المبكر بالثورة الصناعية. يمكن تلخيصها في:
الهيمنة الاستعمارية: التي استنزفت الموارد وعطّلت النمو الداخلي (انظر: إدوارد سعيد، الاستشراق، 1978).
البنى الاقتصادية التقليدية: التي افتقرت إلى تراكم رأسمالي مشابه لما حصل في أوروبا (انظر: أندريه غوندر فرانك، التنمية والتخلف، 1969).
أزمة التراث والحداثة: حيث ساد خطاب فكري يربط التقدم بقطع الصلة مع التراث الديني واللغوي، بدل التفكير في كيفية تفعيلهما (انظر: ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، 1962).
اليابان تقدّم مثالًا مغايرًا. فمنذ إصلاحات ميجي (1868)، تبنّت الدولة اليابانية سياسة “التحديث الانتقائي”: استيعاب المنجزات الغربية في التكنولوجيا والتعليم، مع الحفاظ على البنى الثقافية اليابانية. وقد وصف المؤرخ ماريوس جانسن (Marius Jansen) هذه المرحلة بأنها “ثورة مزدوجة: تحديث اقتصادي وحفاظ على هوية ثقافية”【Jansen, 2000: The Making of Modern Japan】.
هذا النموذج يثبت أنّ التحديث لا يستلزم بالضرورة القطيعة مع التراث، بل يمكن أن يقوم على صيغة توفيقية تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
تجارب كوريا الجنوبية وتايوان منذ ستينيات القرن العشرين تعزز الفكرة ذاتها. فقد اعتمدت هذه الدول على:
الاستثمار المكثف في التعليم.
دعم البحث العلمي والتكنولوجيا.
الانفتاح على الأسواق العالمية.
ويشير أمارتيا سن (Amartya Sen) إلى أنّ “التنمية لا يمكن اختزالها إلى النمو الاقتصادي وحده، بل هي عملية توسع للحريات والقدرات البشرية”【Sen, 1999: Development as Freedom】. هذه الرؤية تُظهر أن التنمية الشرقية لم تكن مشروطة بنبذ التراث، بل بتطوير مؤسسات حديثة تستوعب المعرفة العالمية.
يُستنتج من المقارنة أنّ العامل الحاسم في التقدم ليس في القطيعة مع الدين أو التراث، وإنما في بناء مؤسسات علمية واقتصادية فعّالة. التعارض المزعوم بين الدين والعلم التجريبي هو في جوهره إشكال زائف. إذ يشير توماس كون (Thomas Kuhn) في كتابه بنية الثورات العلمية (1962) إلى أنّ العلم ذاته ليس محايدًا تمامًا، بل تحكمه “بارادايمات” ثقافية ومعرفية. وهذا ما يفتح المجال أمام صياغة علاقة أكثر مرونة بين الدين والعلم، بدل تصويرهما كقطبين متناقضين بالضرورة.
التقدم الغربي لم يكن نتاجًا لنبذ الدين وحده، بل حصيلة تلاقي عوامل معرفية، اقتصادية، وسياسية. أما تخلف الشرق فنتج عن الاستعمار، والقيود البنيوية، والأزمات الداخلية. ومع ذلك، فإنّ تجارب اليابان وكوريا الجنوبية والهند تثبت أنّ التحديث ممكن دون القطيعة مع التراث أو الدين. وعليه، فإن مستقبل النهضة الشرقية مرهون بالاستثمار في العلم والمعرفة، وبناء مؤسسات حديثة، مع الحفاظ على الهوية الثقافية التي تمثل رصيدًا استراتيجيًا للأمم.
Edward Said, Orientalism (1978)
Albert Hourani, Arabic Thought in the Liberal Age (1962)
David Landes, The Wealth and Poverty of Nations (1998)
Marius Jansen, The Making of Modern Japan (2000)
Amartya Sen, Development as Freedom (1999)
Thomas Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions (1962)
André Gunder Frank, Capitalism and Underdevelopment in Latin America (1969)
