
آتى اللهُ تعالى قارونَ، والذي كان من قومِ سيدِنا موسى، من الكنوز ما يعجزُ عن حملِ مفاتيحه جماعةٌ من الرجالِ الأشداء: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) (76 القَصَص). ولقد كان في هذا الثراءِ الطائل فتنةٌ لقومِ النبي موسى جعلت كثيراً منهم يعربون عن امتعاضهم من أن يغدقَ اللهُ على طاغيةٍ مثل قارون كلَّ هذه الكنوز. ولقد فات هؤلاء المتشككين أن يتبيَّنوا الحقيقةَ التي كان النبيُّ موسى قد أكثرَ من ترديدِها على مسامعِهم، والتي مفادُها أنَّ اللهَ هو مالكُ المُلك وهو يؤتي مُلكَه مَن يشاء ويُغني من يشاءُ ويُفقِرُ مَن يشاء.
وهذه الحقيقةُ دائمةُ الظهورِ والحضورِ في الواقعِ البشري، وبتكرارٍ ليس بالعسيرِ على متدبِّر آيات الله في خَلقه أن يتبيَّنَه واضحاً جلياً أنى جالَ ببصره في صفحاتِ التاريخ أم فيمن قيَّضَ اللهُ له أن يشهدَ عجيبَ فِعلِه في حياتِهم إغناءً وإفقارا: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (36 سورة سبأ). فاللهُ تعالى إذ يفقِرُ مَن يشاءُ ويُغني من يشاء، فإنه قد أغنى النبيَّ سليمان من عظيمِ فضلِه ما فاقَ ما كان عليه قارون من فاحشِ الغِنى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) (15- 16 النمل).
فاللهُ تعالى هو العليمُ بعبادِه، والخبيرُ بما تكنُّه أنفسُهم وتنطوي عليه قلوبُهم، وهو لذلك أعلمُ ما الذي يحتاجُه واحدُهم حتى يُمتحَن به، ليصبحَ من عبادِه المقربين، أو ليُبعد فيُردَّ أسفلَ سافلين: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون) (5- 6 التين
