في معنى قَولِ اللهِ تعالى “فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُون”

لماذا استطاعَ النبيُّ يوسف أن يتعرَّفَ على إخوتِه، من بعدِ مضي سنواتٍ عدة على افتراقِهم، بينما عجزوا هم عن التعرُّفِ عليه: (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ( (58 يوسف).
ليس هنالك ما هو غريبٌ في تعرُّف النبي يوسف على إخوتِه، وإن كان قد فارقهم منذ زمانٍ بعيد، ولكن الغريب هو عجزُ إخوتِه عن التعرُّفِ عليه. وتكمنُ العلةُ في عجزِ إخوةِ يوسف عن التعرُّفِ على أخيهم في خاصيةٍ استثنائيةٍ يمتازُ بها الإنسانُ عن الحيوان تتجلى في عجزِه عن مقاربةِ الوقائعِ والأحداث من دونِ أن تخالطَ هذه المقاربةَ ما ليس في هذه الوقائعِ والأحداث؛ فالإنسانُ يضفي على الحدثِ أحكامَه وتصوراتِه التي يفترضُها افتراضاً لا سندَ واقعياً له، بينما يتعاملُ الحيوانُ مع عالَمِه وفقاً لمحدداتٍ سلوكيةٍ صارمة لا يضطرُّ معها إلى إضفاءِ تصوراتٍ وافتراضاتٍ لا علاقةَ لها بالحدث موضوعِ المراقبة أو قيدِ الإعدادِ للانتقالِ إلى الخطوةِ اللاحقة. ولذلك فلم يكن بمقدورِ إخوةِ يوسف أن يتعرَّفوا عليه، وقد أضافت الأعوامُ من افتراضاتِهم وتصوراتِهم إلى ما بقيَ في ذاكرتِهم من أثرِه الشيءَ الكثير. فيوسفُ، لو كان حياً يرزق، لأصبح عين ما أصبحوا هم عليه من هيئةٍ وملبسٍ ومنظرٍ لا يُخفي شيئاً من مَخبر.
ولذلك عجزَ إخوةُ يوسف عن التعرُّفِ عليه وهو بهيأتِه وملبسِه ومظهرِه الذي أصبح عليه بعد أن تبوَّأ منصبَ “المكينِ الأمين”. ولذلك أيضاً لم يكن بمقدورِهم أن يتعرَّفوا عليه إلا من بعد أن طالَ تصورَهم له ما جعلهم يوقنون أنَّ “عزيزَ مصر” هو أخوهم الذي اجتهدوا حتى يفرِّقوا بين أبيهم وبينه: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ. قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ. قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (88- 90 يوسف).

أضف تعليق