
تذهب المقاربات الأنثروبولوجية والفلسفية الحديثة إلى أنّ التعددية الإلهية سبقت التوحيد في تاريخ البشر. غير أنّ السردية الدينية القرآنية تقدّم صورة مغايرة تمامًا: فالتوحيد هو الأصل، والإله الواحد هو الذي علّم الإنسان الأول “آدم” ألا يتخذ معبودًا غيره. لكن الإنسان، بنزعته التكوينية إلى العصيان والجدل، لم يرضخ تمامًا لهذا الأمر، فانحرف مبكرًا نحو ابتداع آلهة أخرى، ليجعل منها وسائط بينه وبين الإله الواحد. هذا التوتر بين الأصل التوحيدي والانحراف التعددي ظلّ يرافق المسيرة البشرية بأشكال وصور متجددة، وصولًا إلى زمننا المعاصر، حيث تُعاد صياغة الألوهية في صورة الطبيعة الأم أو الكون.
وفقًا للسردية الدينية، فإن التوحيد هو البداية. آدم لم يُترك ليخترع دينًا أو يؤسس عقيدة من فراغ؛ بل تلقّى مباشرة من الإله الواحد الأمر بعدم اتخاذ شريك له. وهذا يبدّد التصور التطوري–الأنثروبولوجي القائل بأن التعدد سابق على التوحيد، ويجعل من الشرك طارئًا ومن التوحيد أصيلًا.
الإنسان، بميله المجبول على العصيان، لم يرتضِ العبودية الخالصة لله الواحد، فابتدع آلهة أخرى لتكون وسائط بينه وبين خالقه. لقد وجد في هذه الوسائط مساحة للتجسيد والتخيل، تسمح له بالاقتراب مما هو محسوس وقابل للتفاوض، بدلًا من التوجه المباشر إلى الإله المتعالي. ومن هنا ظهرت المنظومات التعددية التي عمّت الحضارات القديمة.
على خلاف الآلهة المبتدعة، فإن الملائكة لم تكن من نسج الخيال البشري. النص الإلهي يقرر أن الإنسان لم يعرف عنها إلا بعد أن عرّفه الإله الواحد بها. لكن مع ذلك، حين تلقّى الإنسان خبرها، لم يستطع أن يخرج عن نزوعه الأنثروبومورفي، فأضفى عليها سمات بشرية (الكلام، الحركة، القوة) ليجعلها قابلة للاستيعاب ضمن مخيلته. الأمر ذاته انسحب على الجن وسائر الكائنات الغيبية التي ورد ذكرها في النصوص الدينية.
في الأزمنة الحديثة، ومع انحسار المرجعية الدينية في المجتمعات الغربية، ظهرت فكرة “Mother Nature” كإعادة تدوير لفكرة الألوهية. الطبيعة هنا ليست مجرد نظام بيئي، بل كيان يَهب ويأخذ، يعاقب ويجازي. إنها عودة مقنّعة لآلهة الخصب القديمة (غايا، ديميتر، إيزيس)، ولكن في ثوب علماني–بيئي. وهذا يكشف أن النزعة التعددية لم تختفِ، بل غيّرت مفرداتها وأدواتها، لتتوافق مع الحس العلمي والبيئي المعاصر.
أحد أبرز تجليات الألوهية الجديدة يتمثل في خطاب “the universe”. حين يقول أحدهم “the universe is telling me”، فإنه لا يقصد مجرد فضاء فيزيائي، بل كيانًا ذا وعي وإرادة. هنا يُستبدل بالله الواحد الأحد مصطلح غامض يُستخدم بوصفه كائنًا قادرًا على التدخل في حياة البشر. هذه الظاهرة تكشف استمرار النزعة التوحيدية في عمقها (البحث عن قوة عليا واحدة)، لكنها تنحرف بتسمية جديدة، تحجب الألوهية الحقيقية وراء مفهوم علماني–ثقافي.
النصوص الدينية تشير إلى أن نزعة الإنسان نحو التدين أصيلة في كينونته. لكنه بهذه النزعة ذاتها يصبح عرضة للانخداع بالمغوّين والمضلِّلين وأصحاب العقائد الزائفة. فالإنسان إذا لم يُعمل عقله فيما يُعرض عليه من مزاعم، فإنه يلتقط البدائل المزيفة (آلهة، رموز، مفاهيم) ظنًا منه أنها سبيل للرشاد. وهذا يفسّر لماذا تكثر العقائد الزائفة في المجتمعات، ولماذا يتجدد دائمًا خطاب الوساطة والألوهية البديلة، حتى في أكثر البيئات علمانية.
تكشف السردية الدينية أنّ التوحيد لم يكن مرحلة متأخرة، بل الأصل الذي بُنيت عليه علاقة الإنسان بالله. لكن عصيان الإنسان وتمرده قاداه إلى ابتداع منظومات تعددية، وإلى استبدال الإله الواحد بصور محسوسة أو مفاهيم زائفة. من هنا يمكن فهم “الطبيعة الأم” و”الكون” بوصفهما صيغتين حديثتين لألوهية مقنّعة، تعيد إنتاج الحاجة الإنسانية إلى المقدس. هذه النزعة، إذن، لا تختفي، لكنها تجعل الإنسان عرضة للوقوع في حبائل الضلال إن لم يُعمل عقله ويحتكم إلى مرجعية الوحي. فالسبيل إلى الرشاد لا يكون بالانقياد لكل ما يُعرض على أنه بديل إلهي، بل بالتمييز العقلي والروحي بين الأصل الأصيل (التوحيد) والانحراف الطارئ (التعدد أو البدائل الحديثة).
