
يُعَدُّ المثل اللاتيني القديم In Vino Veritas («في الخمر تكمن الحقيقة») من أكثر الأمثال التي أثارت الجدل في الفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم النفس الاجتماعي. وقد نسب بعض المؤرخين هذا المثل إلى بيليني الأكبر، في سياق ثقافة رومانية كانت تنظر إلى الخمر باعتبارها وسيطًا يحرّر اللسان والعاطفة ويكشف المستور.
لكن مع تطور البحث العلمي وتراكم المعطيات السوسيولوجية والطبية، أصبح من المشروع التساؤل: هل الخمر تكشف فعلًا عن «الحقيقة»، أم أنّها تزيح الأقنعة لتُظهر الوجه الأكثر عدوانية وتوحشًا في الإنسان؟ هذه الإشكالية تستدعي دراسة متعددة الأبعاد، تجمع بين الموروث الكلاسيكي، التحليل النفسي والاجتماعي، والإضاءة القرآنية التي قدّمت موقفًا صارمًا من الخمر بوصفها أداة للعداوة والبغضاء.
يرتبط المثل In Vino Veritas بالتصورات القديمة التي اعتبرت أنّ الكحول يضعف سلطة العقل الواعي، فيسمح للمكبوتات بالظهور. وقد استخدم الرومان واليونان الخمر في طقوس اجتماعية وفلسفية بوصفها وسيلة للكشف والتعرية. أفلاطون نفسه أشار في المأدبة (Symposium) إلى دور الشراب في دفع المتحاورين نحو الصراحة والانفتاح.
من منظور أنثروبولوجي، نجد أنّ الخمر شكّلت رمزًا للتواصل الاجتماعي وتكسير الحواجز الطبقية والثقافية. فقد كانت الولائم الرومانية واليونانية مناسبة لانتزاع الأقنعة الاجتماعية، حيث ينطق السكارى بما لا يجرؤون على قوله في حالة الصحو. ومن هنا تشكّل التصور بأنّ الحقيقة كامنة في الخمر.
ترى المدرسة التحليلية (فرويد وما بعده) أنّ الكحول يضعف الأنا الأعلى (Super-Ego) ويطلق العنان للرغبات البدائية (Id). وهذا يعني أن ما يظهر ليس بالضرورة «الحقيقة العقلانية» بل الرغبات العدوانية المكبوتة.
تشير دراسات معاصرة (مثل Steele & Josephs, 1990؛ Curtin & Fairchild, 2003) إلى أن الكحول يقلل القدرة على ضبط النفس ويزيد من التهيج العصبي.
الإحصاءات الجنائية في الولايات المتحدة وأوروبا تظهر أنّ أكثر من 40% من جرائم العنف تُرتكب تحت تأثير الكحول.
في علم الاجتماع، يُنظر إلى الكحول بوصفه عاملًا مضاعفًا للصراعات الاجتماعية. فعوضًا عن كونه أداة كشف للحقيقة، يتحوّل إلى أداة لتفجير النزاعات، سواء في المجال العائلي (العنف الأسري) أو العام (المشاجرات الجماعية).
من هنا يمكن القول إن النسخة المعدّلة التي اقترحتها كاتبة فرنسية: In Violentia Veritas («في الخمر يكمن العنف»)، تمثّل قراءة واقعية أكثر من الأصل اللاتيني الرومانسي.
القرآن الكريم قدّم منظورًا مركّبًا، يبدأ بالإشارة إلى منافعها وأضرارها، وينتهي إلى التحريم القطعي:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (91)} [المائدة: 90-91].
الآية لا تربط الخمر بالبوح أو الصراحة، بل بالعداوة والبغضاء.
يصف النص الخمر بأنها «رجس من عمل الشيطان»، أي أنّها ليست مجرد عادة اجتماعية، بل قناة لتمرير الشرور الكامنة في الإنسان.
يتقاطع الموقف القرآني مع نتائج الدراسات الحديثة التي أثبتت أنّ الكحول يزيد احتمالية السلوك العدواني ويُضعف الوظائف التنفيذية للدماغ. وهذا التلاقي بين النص الديني والعلم الحديث يمنح الآية قوة تفسيرية أبعد من مجرد التحريم الأخلاقي.
يمكن تلخيص الإشكالية على النحو التالي:
المثل اللاتيني ركّز على «الحقيقة» التي تظهر تحت تأثير الخمر.
الدراسات النفسية والاجتماعية أثبتت أنّ هذه «الحقيقة» قد تكون في جوهرها العنف المكبوت.
النص القرآني قدّم قراءة سبقت نتائج البحث العلمي، معتبرًا أنّ الخمر ليست مجرد كاشف للحقائق بل مولّد للعداوة والبغضاء.
ومن ثم، فإن المقاربة التكاملية تجعلنا نعيد النظر في المثل الكلاسيكي، لنتبنى قراءة أقرب إلى الواقع والعلوم الحديثة: In Violentia Veritas.
يبيّن تحليلنا أنّ الخمر ليست مجرّد وسيلة لتحرير الحقيقة كما ظنّ القدماء، بل هي محفّز قوي للعنف الكامن في النفس الإنسانية. ومن هنا يكتسب التحريم القرآني بُعدًا أنثروبولوجيًا ونفسيًا يتجاوز حدود النص الديني ليلاقي نتائج العلوم الحديثة. وهكذا، فإنّ الحقيقة التي تكشفها الخمر ليست دائمًا بوحًا شفافًا، بل قد تكون الوجه الأكثر وحشية للإنسان.
