“فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ”… مقاربة أنثروبولوجية-معرفية

يمثل قول الله تعالى ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (من 58 يوسف) نقطة دلالية عميقة تكشف عن طبيعة الإدراك البشري وحدوده. فبينما استطاع يوسف أن يتعرّف إلى إخوته بعد سنوات طويلة من الفراق، عجز هؤلاء عن التعرّف إليه رغم المواجهة المباشرة. هذه المفارقة ليست مجرد تفصيل سردي، بل تكشف عن آليات الإدراك والذاكرة في الإنسان، وما يعتريها من انحيازات معرفية وتشوهات إدراكية.
يوسف: عملية التعرّف لديه ارتكزت على الذاكرة المباشرة المرتبطة بملامح إخوته وهيئتهم، دون أن تكون مشوشة بانحيازات أو توقعات سالبة. لقد كان استدعاؤه لصورة إخوته أقرب إلى “التطابق الحسي-الذاكري” (Perceptual-Mnemonic Match).
الإخوة: إدراكهم كان محكوماً بآلية مختلفة؛ فقد حملوا صورةً ذهنية ليوسف بوصفه “الطفل الذي أُلقي في الجب”، وهذه الصورة رسخت كـ”مخطط معرفي” (Schema) يصعب تجاوزه. وحين واجهوا “العزيز المكين” في هيئة ملكية وسلطة، تعارضت الصورة الراهنة مع المخطط الراسخ، فكان “الإنكار” نتيجة طبيعية لهذا التعارض.
تشير أبحاث علم النفس المعرفي إلى أن الذاكرة ليست مخزناً فوتوغرافياً محايداً، بل عملية إعادة بناء مستمرة تخضع للتأويل والانحياز (Bartlett, 1932؛ Loftus, 2003).
الذاكرة الانتقائية (Selective Memory): إخوة يوسف لم يحتفظوا بصورة محايدة له، بل بصورة مشوهة بسياقات العداء والغيرة.
إعادة البناء (Memory Reconstruction): كل استدعاء للذاكرة يخضع لإعادة بناء، وقد أدت هذه العملية إلى طمس إمكانية مطابقة صورة “يوسف العزيز” مع صورة “يوسف الطفل”.
الانحياز الإدراكي (Cognitive Bias): الميل إلى تفسير الوقائع وفق الصور الراسخة حال دون تقبّل إمكانية أن يكون العزيز أخاهم المفقود.
الحيوان: يتعرّف على الأفراد وفق إشارات حسية ثابتة (مثل الرائحة أو الشكل) دون تدخل تصورات ذهنية إضافية.
الإنسان: إدراكه مشروط بالتصورات المسبقة وبما يُعرف في علم الإدراك بـ “Top-Down Processing”، أي أن المعلومات الحسية تعالج داخل أطر معرفية مسبقة، مما قد يؤدي إلى أخطاء في التعرّف.
وهذا يفسر أن إخوة يوسف، بخلاف الحيوان، لم يستطيعوا رؤية ما هو حاضر أمامهم لأن إدراكهم كان محجوباً بانحيازاتهم النفسية والاجتماعية.
في اللغة، الإنكار يشمل معاني الجحود والنفي، وأيضاً “عدم المعرفة” (لسان العرب، مادة نكر). ومن ثم، فإن قوله تعالى ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ يتطابق مع الحالة الإدراكية-المعرفية الموصوفة: لم يكن إنكارهم رفضاً متعمداً، بل عجزاً إدراكياً عن مطابقة الواقع مع الصورة الذهنية السابقة.
يكشف النص القرآني عن حقيقة معرفية عميقة: أن الإنسان لا يدرك الواقع إدراكاً مباشراً صافياً، بل من خلال مرشحات ذهنية وانحيازات معرفية. يوسف، وقد تحرر إدراكه من تشوهات العداء، تمكن من التعرف على إخوته فوراً. أما الإخوة، فقد كبّلتهم ذاكرتهم الانتقائية وصورهم الذهنية، فلم يعرفوه إلا بعد أن أعادوا بناء إدراكهم من خلال الحوار والاعتراف.
تنسجم هذه القراءة مع الدراسات الحديثة في علم النفس المعرفي، حيث تُظهر التجارب أن الانحيازات الإدراكية والذاكرة الانتقائية كثيراً ما تُضلل الإنسان وتمنعه من رؤية الواقع كما هو. ومن ثم فإن النص القرآني لا يقدّم سرداً تاريخياً فحسب، بل يكشف عن طبيعة الإدراك البشري في تفاعله مع الذاكرة والانحياز والتصورات المسبقة.

أضف تعليق