
من بين الدلالاتِ القدَريةِ بعيدةِ المدى لقصةِ النبي يوسف، كما يقصُّها علينا القرآنُ العظيم، هذا الدخولُ العجائبي ليعقوبَ وبَنيه مصرَ التي ما كان له ولبَنيه أن يدخلوها سائدين لولا ما حدث بين يوسفَ وإخوتِه. فيعقوبُ وبَنوه دخلوا مصرَ أعزةً مكرَّمين، كيف لا ويوسفُ كان قد أصبح عزيزَها ومكينَها الأمين؟
ويحقُّ للمرءِ أن يخلصَ إلى نتيجةٍ مفادها أنَّ هذا الذي حدث بين يوسفَ وإخوتِه كان أمراً مقدَّراً لابد منه، إذ لولاه ما كان لبَني إسرائيل أن يتواجدوا في مصرَ وهم الأحفادُ المستقبليون للأسباطِ بَني يعقوب. وإذا كان دخولُ بَني إسرائيلَ مصرَ أمراً مقدَّراً لغايةٍ لا يعلمُها إلا اللهُ اللطيفُ لما يشاء، فإنَّ خروجَهم منها كان هو الآخر أمراً لا يقلُّ قدريةً عنه. فالنبيُّ موسى كان عليه أن يتعرَّضَ لسلسلةٍ متصلةٍ من الأحداثِ القدَريةِ التي ابتدأت باضطرارِه إلى الخروجِ من مصر، وانتهت بعودتِه إليها من جديد، وذلك من بعد أن قادته خطواتُه إلى حيث كان مقدراً له أن يشهدَ من عظيمِ آياتِ الله ما أهَّلَه حتى يكلَّفَ بإخراجِ قومِه، أحفادِ يعقوب، من مصر: (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي. اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي) (40- 42 طه).
