نقد موضوعي لفلسفة البيولوجيا… إشكالية النزعة الأنثروبومورفية وإعادة التفكير في الظاهرة الإنسانية

تُعدّ فلسفة البيولوجيا مبحثًا فلسفيًا حديثًا نسبياً، يسعى إلى تفسير الظواهر الحياتية من خلال الجمع بين معطيات البيولوجيا النظرية والأدوات الفلسفية التحليلية. غير أن هذا المبحث يعاني من أزمة معرفية تتجلى في اعتماده على مقاربة ذات نزعة أنثروبومورفية تُعلي من شأن الإنسان إلى درجة تُعطّل قدرته على إدراك المسافة الهائلة التي تفصل بين الإنسان وسلفه الحيواني عبر ملايين السنين من التطور.
الانشغال المفرط بتميّز الإنسان جعل فلسفة البيولوجيا في نسختها الراهنة تقترب من نزعة مركزية الإنسان (Anthropocentrism)، إلى الحد الذي يغدو معه الخط الفاصل بين البحث الفلسفي والميتافيزيقا الإيديولوجية باهتًا.
فالإنسان يُقدَّم غالبًا بوصفه الكائن الذي تجاوز الطبيعة بقوانينها الصارمة، في حين أن الحيوان — وعلى مدى ملايين السنين من عملية التطور — لم يعرف غير الطاعة المطلقة لقوانين الطبيعة، مكتسبًا من خلالها أنماطًا سلوكية متوارثة لا تسمح له بتجاوز حدوده الوظيفية.
تركّز فلسفة البيولوجيا على صياغة تأملات حول النشوء والارتقاء، لكنها تتجاهل أحيانًا العمق التاريخي للعملية التطورية. إذ تختزل ملايين السنين من التراكم الحيوي إلى مجرّد مادة خام لخدمة السؤال الفلسفي حول الإنسان. وبهذا، تتخذ المقاربة بُعدًا اختزاليًا يُغفل ما تراكم من آليات حيوية صارمة، أنتجت التنوع والانتقاء الطبيعي قبل أن يظهر الإنسان.
لكي تتجاوز فلسفة البيولوجيا حالة الركود، عليها أن تعيد النظر في طريقتها في التعامل مع الظاهرة الإنسانية. المطلوب ليس المزيد من التنظير حول “فرادة” الإنسان، بل إعادة طرح السؤال عن: ما الذي حدث في عملية التطور بحيث جعل الكائن الذي يتماثل بيولوجيًا إلى حد كبير مع سلفه الحيواني يظهر سلوكيات لا وجود لها في عالم الحيوان؟
هذه الفروقات لا تقتصر على اللغة أو الوعي فقط، بل تمتد إلى سلوكيات تبدو متعارضة مع قوانين الطبيعة:
العدوانية المفرطة: الحيوان لا يعرف العنف غير الوظيفي، بينما الإنسان يمارس العنف المنفلت بلا موجب تطوري مباشر.
الفعالية الجنسية المنفرطة: نزعة لا تخضع لصرامة “اقتصاد الطبيعة” الذي يضبط السلوك الحيواني.
التدني المناعي والضعف النفسي: مظاهر هشاشة غير مفسّرة تطوريًا بالقدر الكافي.
الهوس بتدمير المناخ والبيئة: سلوكيات انتحارية تتناقض مع منطق البقاء والاستمرار.
إن تجاوز الأزمة المعرفية لفلسفة البيولوجيا يتطلب نسخة جديدة أكثر جرأة، تنفتح على حقول معرفية متقاطعة: علم الأعصاب، علم الاجتماع، الدراسات البيئية، والأنثروبولوجيا الفلسفية. فالمسألة ليست في إثبات “عظمة” الإنسان بقدر ما هي في محاولة فهم مفارقته الكبرى: كيف استطاع كائن بيولوجي متماثل في بنيته مع الحيوان أن ينقلب إلى كائن يُهدّد ذاته والطبيعة معًا؟
فلسفة البيولوجيا، إذا استمرت في أسر النزعة الأنثروبومورفية، ستبقى مبحثًا يدور في حلقة مفرغة. أما إذا أعادت صياغة أسئلتها على نحو يستفزّ المباحث المعرفية الأخرى، فإنها قد تتحول إلى أفق جديد لفهم الظاهرة الإنسانية بما تنطوي عليه من فرادة وغرائبية لا تنفصل عن جذورها التطورية ولا تختزلها في المقاربة الفلسفية وحدها.

أضف تعليق