هل ينطوي الأمرُ الإلهي بالاجتنابِ على التحريم؟

يتوهمُ البعض أنَّ اللهَ تعالى لم ينص في قرآنِه العظيم على تحريمِ الخمر. وحجةُ هذا البعض تعتمد مقاربةً تفسيريةً غيرَ موفقة للآيةِ الكريمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (90 المائدة). فالأمرُ باجتنابِ الخمر، كما يرى هؤلاء، لا ينطوي على أيِّ تحريم. وهذا وهمٌ كان بإمكانِ هؤلاء أن يبرأوا منه لو أنهم تدبَّروا ما وردَ في القرآنِ من نصوصٍ يتبيَّنُ لمَن يتدبَّرها، كلٌّ في سياقِه، ألا فرقَ هنالك على الإطلاق بين التحريمِ والأمرِ الإلهي بالاجتناب:
1- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (من 12 الحجرات).
2- (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى. الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) (من 31- من 32 النجم).
3- (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) (31 النساء).
4- (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (من 36 النحل).
5- (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور( (من 30 الحج).
6- (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى) (من 17 الزمر).
وهذا الزعمُ بأنَّ الأمرَ الاجتنابِ لا ينطوي على التحريم، هو من تداعياتِ تحكيمِ اللغةِ العربية الشائعة في اللسانِ العربي المبين الذي نزلَ به القرآنُ العظيم. فوفقاً لعربيةِ القاموس، والتي ليس لها بالضرورة أن تتماهى مع لسانِ القرآنِ العربي المبين، فإنَّ الأمرَ بالاجتناب هو ليس الأمر بالتحريم. وهنا لابد لنا من التشديدِ على وجوبِ التفرقةِ والتمييز بين العربيةِ الشائعة المتعارفِ عليها، بكلِّ ما تشتملُ عليه من ضوابطَ نحوية، وبين اللسانِ القرآني العربي المبين الذي لابد لنا من الإقرارِ بأن له ضوابطَ نحوية وقواعدَ دلالية قد تتفقُ أحياناً مع العربيةِ المتعارَفِ عليها وقد تختلف معها في أحايينَ أخرى.

أضف تعليق