
يُثار بين الحين والآخر جدلٌ حول طبيعة دلالة الأمر القرآني بـ”الاجتناب”، وهل ينطوي بالضرورة على التحريم، أم أنه لا يعدو كونه أمراً بالابتعاد الأدبي أو الأخلاقي دون أن يبلغ درجة الحرمة. ومن أبرز ما يتجلى فيه هذا الجدل مسألة الخمر، حيث يذهب بعض المفسرين الحداثيين إلى أن القرآن لم يحرّم الخمر صراحةً، مستندين إلى قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: 90).
هذه المقالة تسعى إلى تفنيد هذه الأطروحة عبر مقاربة لسانية-فقهية، تُظهر أن الاجتناب في لسان القرآن لا يقلّ بحالٍ عن التحريم، بل يتجاوزه إلى معنى أشدّ منعه وأقوى إلزاماً.
ينبغي التمييز بين مستويين من العربية:
العربية الشائعة أو القاموسية: وهي التي تحددها معاجم اللغة وضوابط النحو والبلاغة الموروثة.
اللسان القرآني العربي المبين: وهو نسق خاص، له ضوابطه الدلالية الخاصة التي قد تلتقي مع العربية القاموسية أو تفارقها. يتسم هذا اللسان بالخصائص الآتية:
الإيجاز مع التوسّع الدلالي.
الترابط السياقي، حيث تكتسب الألفاظ معناها من نسق النصوص الكلية لا من العزلة القاموسية.
التدرج في البيان، بحيث تُستعمل ألفاظ متقاربة دلالياً ولكن متفاوتة في الإلزام والتغليظ.
ومن هنا، فإنّ الحكم على دلالة لفظ مثل “الاجتناب” يجب أن يُبنى على استقراء قرآني شامل، لا على مقاربة لغوية قاموسية معزولة.
الاستقراء القرآني لمواضع “الاجتناب” يكشف عن نمط دلالي واحد، وهو دلالة التحريم القطعي المغلّظ:
الظن السيّئ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: 12).
→ اقتران الاجتناب بوصف الظن بأنه “إثم” يقطع بكونه محرماً.
الكبائر والفواحش: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (النجم: 32).
→ لا خلاف في أن الكبائر والفواحش محرمة، مما يجعل الاجتناب هنا مرادفاً للتحريم.
الطاغوت: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: 36).
→ عبادة الطاغوت من أغلظ المحرمات، والاقتران بين الأمر بالعبادة والأمر بالاجتناب يوضح وحدة الدرجة التشريعية.
الأوثان وقول الزور: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحج: 30).
→ عبادة الأوثان وقول الزور كلاهما محرم بالإجماع، ولا يحتمل معنى الاجتناب سوى التحريم.
إذن، الاجتناب في جميع هذه السياقات يدل على تحريم مغلظ، لا يقلّ عن النهي الصريح، بل يزيد عليه بتحميل المكلّف واجب الابتعاد عن الفعل وعن كل ما يقارب مظانه.
يمكن القول إن العلاقة بين الاجتناب والتحريم في القرآن ليست علاقة مساواة تامة، بل علاقة شمول وتدرج:
التحريم: هو المنع من الفعل ذاته.
الاجتناب: هو المنع من الفعل وما يقاربه وما يفضي إليه.
وهذا يجعل الاجتناب صيغة تشريعية أقوى وأعمّ من التحريم، لأنه يستأصل الفعل من جذوره ويمنع الاقتراب من سياقاته. فالخمر، بهذا المعنى، ليست مجرد محرّمة، بل محرّمة تحريماً مغلظاً يتطلب الابتعاد حتى عن أسبابها ومقدماتها.
الفهم الصحيح للاجتناب يثمر نتائج عملية:
إبطال دعوى إباحة الخمر: فالنص القرآني لم يكتف بالتحريم بل شدّد بالاجتناب، مما يجعل تعاطي الخمر معصية كبرى في منزلة عبادة الطاغوت.
التشديد الأخلاقي: الاجتناب صيغة تضع المكلّف أمام مسؤولية مضاعفة، ليس فقط في الامتناع، بل في تطهير الفضاء الاجتماعي من الظاهرة.
البعد المقاصدي: يتفق هذا مع مقاصد الشريعة في حفظ العقل والدين والمجتمع، وهي المقاصد التي لا تتحقق إلا بتحريم مغلظ.
يتبيّن من خلال المقاربة الاستقرائية أن الاجتناب في اللسان القرآني ليس مجرد توصية أخلاقية، بل هو صيغة تشريعية أقوى من التحريم نفسه. وعليه، فإن القول بأن القرآن لم يحرّم الخمر قول باطل، ناشئ عن قراءة قاموسية قاصرة لا تفقه خصوصية اللسان القرآني المبين. إن إدراك هذا الفارق بين العربية القاموسية واللسان القرآني يفتح أفقاً أوسع لفهم النصوص بعيداً عن الاختزال، ويشدد على وجوب التعامل مع القرآن بصفته نسقاً دلالياً خاصاً، لا مجرد نص لغوي تابع لقواعد اللسان الشائع.
