لماذا نحن بحاجة لفلسفة أنثروبولوجية جديدة؟

تُعتبر فلسفة الأنثروبولوجيا حقلًا معرفيًا بالغ الأهمية، فهي تسعى لفهم الإنسان في شموله وتعقيده. ومع ذلك، يرى بعض النقاد أن هذا المشروع الفكري قد انحرف عن مساره الصحيح، مُتخذًا من المفهوم التقليدي للتطور مرتكزًا أساسيًا له، وهو ما أدى إلى تناقضات جوهرية في تفسير الظاهرة الإنسانية. هذا النقد لا ينبع من رفض التطور البيولوجي بحد ذاته، بل من كيفية توظيفه في فهم السلوكيات والسمات الإنسانية المعاصرة.
ينطلق النقد من فكرة أن فلسفة الأنثروبولوجيا قد وقعت في فخ التبسيط المفرط عند تناولها لمسيرة التطور البشري. فمن خلال تركيزها على الجوانب البيولوجية البحتة، تجاهلت التحول الجذري الذي طرأ على الإنسان بعد خروجه من عالم الطبيعة الخاضع لقوانينها الصارمة.
لقد عاش الإنسان ملايين السنين خاضعًا لقوانين الطبيعة، حيث كان نشوءه وارتقاؤه محكومًا بآليات الانتقاء الطبيعي. ومع ذلك، فإن غالبية الموضوعات التي تشغل فلاسفة الأنثروبولوجيا اليوم لا ترتبط بهذا الماضي البيولوجي. فكيف يمكن تفسير ظواهر مثل:
– العدوان المفرط الذي لا يُفسره مجرد الصراع على البقاء.
– النشاط الجنسي المنفلت الذي يتجاوز وظيفته الإنجابية.
– المناعة الجسدية والنفسية المتدنية التي تتناقض مع فكرة الكائن المتكيف الأفضل.
– القدرة الهائلة على الإضرار بالذات والبيئة، وهي سمة لا وجود لها في أي كائن حي آخر.
هذه الجوانب، التي تُعدّ من صميم الظاهرة الإنسانية، لا يمكن تفسيرها بشكل كامل بالرجوع إلى الماضي البيولوجي للإنسان. إن محاولة ربطها بما حدث في عالم الطبيعة تُعَدّ قصورًا منهجيًا وفكريًا.
إن السبيل للخروج من هذا المأزق يكمن في إعادة توجيه فلسفة الأنثروبولوجيا نحو مقاربة جديدة. تبدأ هذه المقاربة بالإقرار بأن الإنسان، بعد رحلة تطوره، قد أصبح كيانًا آخر مزدوج الطبيعة. إنه لم يعد مجرد كائن بيولوجي، بل أصبح يجمع بين الطبيعة البيولوجية التي ورثها من ماضيه، والطبيعة الجديدة التي نشأت بعد خروجه على قوانين الطبيعة.
هذا الخروج لم يكن هروبًا، بل كان تتويجًا لرحلة تطورية فرضت عليه أن يكسر القوانين التي خضع لها سابقًا. وهنا تكمن المفارقة: إن التطور البيولوجي نفسه هو ما أدى إلى ظهور كائن قادر على التمرد على قوانين التطور.
لذلك، يجب أن تُعنى فلسفة الأنثروبولوجيا الجديدة بتفسير هذه الجوانب “غير الطبيعية” للظاهرة الإنسانية، ليس بالعودة إلى الماضي البيولوجي، بل من خلال فهم ما حدث أثناء الرحلة التطورية التي حتّمت عليه الخروج على عالم الطبيعة. إن هذه الظواهر ليست مجرد بقايا من الماضي، بل هي نتاج التحول الجذري الذي طرأ على الإنسان، وتحوّله إلى كائن معقد ومتناقض، يجمع بين الغريزة والوعي، بين الطبيعة والثقافة.
إن فهم الإنسان اليوم يتطلب تجاوز النظرة البيولوجية الأحادية، والاعتراف بتعقيده وتناقضاته، واعتبارها جزءًا لا يتجزأ من هويته الجديدة.

أضف تعليق