
تتناول هذه الورقة مشروع فلسفة الأنثروبولوجيا بالنقد والتحليل، مركّزة على المرتكزات النظرية التي تأسس عليها، ولا سيما تبنيه للمفهوم التقليدي للتطور. ذلك أنّ هذا المفهوم، برغم إسهامه في إرساء قاعدة معرفية لدارسة الإنسان من منظور طبيعي، ينطوي على تناقضات عميقة. فهو من جهة يفسر ظهور الإنسان من رحم الطبيعة وفق قوانينها، ومن جهة أخرى يقرّ بخروج الإنسان على هذه القوانين وانقلابه عليها. وانطلاقًا من هذا التناقض، تجادل الورقة بأنّ فلسفة الأنثروبولوجيا قد انشغلت بمباحث لا يمكن تفسيرها على ضوء الماضي البايولوجي للإنسان. وتقترح مقاربة بديلة ترى أنّ الإنسان كيان مزدوج الطبيعة: جزء بايولوجي يخضع لقوانين الطبيعة، وجزء آخر انفلت من هذه القوانين ليغدو مصدرًا لظواهر إنسانية فريدة، كالعنف المفرط، والانفلات الجنسي، وضعف المناعة النفسية والجسدية، وقدرته الفذة على الإضرار بنفسه وبالبيئة.
فلسفة الأنثروبولوجيا مشروعٌ يسعى إلى الإجابة عن سؤال جوهري: ما الإنسان؟ وكيف يمكن فهمه في ضوء تاريخه التطوري؟ وقد وجدت هذه الفلسفة مرتكزها الأكبر في نظرية التطور كما صاغها تشارلز داروين (Darwin, 1859)، ثم طورتها المدارس اللاحقة في البيولوجيا والأنثروبولوجيا. غير أنّ هذا التبني للمفهوم التقليدي للتطور لم يخلُ من مشكلات معرفية، إذ أدّى إلى تناقضات في تفسير الظاهرة الإنسانية، خصوصًا عند الانتقال من مرحلة “الإنسان الطبيعي” الخاضع لقوانين الطبيعة إلى “الإنسان الثقافي” الذي تمرّد عليها.
يقوم المفهوم التقليدي للتطور على فرضية أساسية مفادها أنّ جميع الكائنات الحية، بما فيها الإنسان، خضعت لآليات الانتقاء الطبيعي والتكيّف البيئي. وبذلك، يصبح الإنسان الحلقة الأحدث في سلسلة طبيعية ممتدة.
غير أنّ هذا المفهوم يتبنى نزعة خطّية ترى أنّ التطور سيرورة تصاعدية متصلة، تبدأ من البسيط وتنتهي بالمعقد، من الحيوان وتنتهي بالإنسان. وهنا يكمن التبسيط؛ إذ يَفترض أنّ الإنسان “اكتمال طبيعي” لملحمة النشوء والارتقاء، لكنه لا يفسر بما يكفي التحوّل النوعي الذي جعل الإنسان كائنًا مختلفًا جذريًا عن الحيوان.
ثمة تناقض يلازم مشروع فلسفة الأنثروبولوجيا:
من جهة أولى، يُعزى نشوء الإنسان إلى قوانين الطبيعة ذاتها التي تحكم جميع الكائنات.
ومن جهة ثانية، يُقرّ المشروع نفسه بأنّ الإنسان ما إن اكتمل تطوره حتى خرج على هذه القوانين وانقلب عليها.
هذا التناقض لا يفسر كيف يمكن لكائن أن يكون نتاجًا مطيعًا لقوانين الطبيعة ملايين السنين، ثم يتمرد فجأة عليها. وبهذا، يبدو أن المفهوم التقليدي للتطور عاجز عن تفسير انقطاع الإنسان عن الطبيعة بعد نشأته منها.
لقد انشغلت فلسفة الأنثروبولوجيا بدراسة ظواهر إنسانية كاللغة، والدين، والأخلاق، والفن، والمؤسسات الاجتماعية، محاوِلةً ردّها إلى الماضي التطوري للإنسان. لكن هذه المحاولة تنطوي على إشكالية مزدوجة:
فهي تُسقِط مفردات ثقافية لاحقة على سياق طبيعي سابق.
وهي تُفقر الظاهرة الإنسانية بحصرها في ما هو بيولوجي بحت، مع أنّ هذه الظواهر قد برزت أساسًا بعد خروج الإنسان من الطبيعة.
وبذلك، يصبح مشروع فلسفة الأنثروبولوجيا أسيرًا لمفارقة: يدرس الإنسان الثقافي بأدوات بيولوجية، ويؤول نتائجه بمرجعيات لم تعد سارية على الإنسان منذ لحظة انفصاله عن الطبيعة.
إنّ المطلوب هو مقاربة فلسفية جديدة تعترف بازدواجية الإنسان:
الإنسان البايولوجي: ما يزال خاضعًا لقوانين الطبيعة (التكاثر، الغريزة، الحاجة إلى البقاء).
الإنسان الثقافي: كيان متمرّد أفرز ظواهر غير طبيعية، مثل:
العدوان المفرط: العنف المنفلت الذي لا نجده عند الحيوان إلا بقدر الضرورة.
النشاط الجنسي المنفرط: الذي يتجاوز مطلب التكاثر إلى أنماط متشابكة من السلوك.
المناعة الجسدية والنفسية المتدنية: على عكس الحيوان الذي يحافظ على اقتصاد طبيعي في البقاء.
المقدرة الفذة على الإضرار: بالذات والآخر والبيئة.
هذه الظواهر لا يمكن تفسيرها بردّها إلى الماضي البايولوجي وحده، بل تتطلب الاعتراف بأن الإنسان أصبح كيانًا جديدًا خرج من الطبيعة ولم يعد إليها.
لإرساء فلسفة أنثروبولوجيا متجددة، ينبغي أن نعيد بناء المشروع على الأسس التالية:
تجاوز النزعة التبسيطية للمفهوم التقليدي للتطور.
الاعتراف بالتحوّل النوعي الذي جعل الإنسان كائنًا ذا طبيعة مزدوجة.
دراسة الظواهر الإنسانية الفريدة بوصفها نتاجًا للانفصال عن الطبيعة، لا مجرد استمرار لها.
صياغة أدوات نظرية تجمع بين العلوم الطبيعية (البيولوجيا، علم الأعصاب) والعلوم الإنسانية (الفلسفة، السوسيولوجيا، علم النفس).
إنّ النقد الموضوعي لمشروع فلسفة الأنثروبولوجيا يكشف عن مأزقه النظري العميق المتمثل في الارتهان للمفهوم التقليدي للتطور. هذا الارتهان جعله عاجزًا عن تفسير الانقطاع النوعي الذي ميّز الإنسان عن الحيوان. ومن ثم، فإنّ الطريق إلى فلسفة أنثروبولوجيا متجددة يمرّ عبر الاعتراف بازدواجية الإنسان، والانطلاق من دراسة ظواهره غير الطبيعية بما هي ظواهر جديدة لا تقبل التفسير بصرامة الماضي البايولوجي.
