تداعيات تاريخية لإخفاق الجيوش العثمانية في احتلال مدينة فيينا النمساوية

يُعدّ حصار فيينا الثاني سنة 1683 لحظةً فاصلة في التاريخ الأوروبي والعثماني على السواء. فقد شكّل إخفاق الجيش العثماني في اختراق أسوار العاصمة النمساوية منعطفًا عسكريًا وسياسيًا، سرعان ما تحوّل إلى نقطة بداية لمرحلة طويلة من التراجع البنيوي في مسار الإمبراطورية العثمانية. ولئن كانت الإمبراطورية قد بلغت أوجها في القرنين السادس عشر والسابع عشر، فإن فشلها عند أبواب فيينا أطلق آليات جديدة على المستويين الأوروبي والعثماني: فمن جهة، عزّز التحالفات الدينية في أوروبا الوسطى، وفتح الباب أمام صعود الإمبراطورية الهابسبورغية لاحقًا؛ ومن جهة أخرى، عجّل بانكشاف نقاط الضعف الداخلية في الجهاز العسكري والمالي العثماني، وصولًا إلى لحظة «الرجل المريض» في القرن التاسع عشر، ثم التفكك النهائي مع الحرب العالمية الأولى.
غير أنّ هذا المسار التاريخي الذي انتهى بانهيار الدولة العثمانية يثير تساؤلًا مشروعًا: ماذا لو كان المشهد قد انقلب رأسًا على عقب، وتمكّن العثمانيون من دخول فيينا سنة 1683؟ هل كان ذلك كفيلًا بمدّ عمر الإمبراطورية، وربما تغيير الخريطة السياسية لأوروبا برمتها؟ أم أنّ العوامل البنيوية الداخلية كانت ستقود إلى الانهيار، ولو بعد حين، بصرف النظر عن انتصار عسكري هنا أو هناك؟
إنّ هذا الأمر يقتضي منا ان نتناول الحدث من زاويتين: الأولى واقعية تحليلية تضع معركة فيينا في سياقها التاريخي، والثانية افتراضية تستنطق التاريخ البديل (counterfactual history) بما يسمح لنا بتصوّر السيناريوهات الممكنة لو تحقّق النصر العثماني. من خلال هذا التداخل بين الواقعي والمفترض، نسعى إلى مقاربة أكثر شمولية لمسار التراجع العثماني وعلاقته بالتوازنات الأوروبية الحديثة.

أضف تعليق