في أصول كلمتي Cry وShout… استقصاء الجذر ما قبل الاصل الهندو-أوروبي

اعتادت مدرسة التأثيل الهندو-أوروبية أن تضع نقطة ابتداء المسار التاريخي لكلمات اللغات الأوروبية في الجذور الهندو-أوروبية البدائية. غير أنّ هذا التحديد الزمني والجغرافي لم يعد كافيًا لفهم كثير من المفردات التي تظهر عليها آثار ارتحال بشري أعمق من حدود أوروبا وآسيا الصغرى. فهناك طبقة لغوية أقدم وأوسع نطاقًا، تُمثّلها الجغرافيا العربية، حيث يمكن أن نقرأ مسارات صوتية ودلالية لم تُؤخذ بالحسبان. وتُعدّ الكلمتان الإنجليزيتان cry وshout مثالين بارزين على هذه الظاهرة.

أولاً: Cry بين “صرخ” العربية وSchrei الألمانية

الكلمة الإنجليزية cry، كما هو متداول في التأثيل التقليدي، تُردّ إلى الفرنسية القديمة crier، المأخوذة عن اللاتينية المتأخرة critare، ثم إلى الجذر الهندو-أوروبي kwer-. إلا أن هذه السلسلة لا تُفسّر بدقة التماثل الصوتي-الدلالي بينها وبين الجذر العربي صرخ.
تحولات صوتية:
حرف الصاد (ص) العربي عُرف عنه تحوله إلى أصوات أخف في البيئات غير العربية: ففي الألمانية تجسد على صورة الشين sch (schrei = يصرخ).
في الإنجليزية خفّت الصاد أكثر إلى كاف c (cry).
حرف الراء (ر) بقي ثابتًا في جميع الانتقالات.
حرف الخاء (خ) جرى تليينه: ففي الألمانية انقلب إلى ثنائية صوتية ei، وفي الإنجليزية إلى y.
الدلالة:
العربية “صرخ” تعني رفع الصوت المفاجئ الحاد، وهي ذاتها الدلالة التي تحملها schrei بالألمانية وcry بالإنجليزية، حيث لا فرق يُذكر في الحقل الدلالي.
هذا الترابط الصوتي-الدلالي يجعل من المعقول افتراض أن “صرخ” ليست مجرد نظير دلالي، بل أصل سابق للجذر الأوروبي، دخل مساره عبر ارتحال بشري قديم.

ثانيًا: Shout من “صوت” العربية إلى الإنجليزية

الكلمة الإنجليزية shout، في التقليد الجرماني، تُربط بجذر skeutaną (يطلق/يدفع). لكنّ هذا الربط يبدو غير مُقنع إذا ما نظرنا إلى البنية العربية للجذر صوت، وإلى تحولاته اللهجاتية.
في العربية الفصحى: “صوت” يعني الصوت عمومًا، ويقابل كلمة sound بالإنجليزية.
في اللهجة المصرية: استُعملت صيغة “صوّت” بمعنى “صرخ” أو “رفع صوته”، بل وارتبطت أحيانًا بالبكاء والعويل.
التحولات الصوتية:
حرف الصاد (ص) تحوّل إلى شين sh (كما في “صرخ” → schrei).
حرف الواو (و) بقي كما هو.
حرف التاء (ت) حافظ على ثباته كذلك.
إذن، المسار من “صوّت” المصرية إلى shout يبدو أكثر بساطة ووضوحًا من محاولة رده إلى skeutaną الجرمانية. فالصيغة العربية تعطينا الأصل الدلالي (“الصرخ، النداء العالي”) والتحولات الصوتية (ص → sh) بلا افتعال.

ثالثًا: نحو طبقة لغوية أعمق

هذا الاستقصاء يقود إلى نتيجة لافتة: إنّ الوقوف عند الطبقة الهندو-أوروبية لا يكفي وحده لفهم ماضي الكلمات الأوروبية. فالكثير من المسارات تُضيّع بداياتها إذا ما أُغفل “الجوار اللغوي العربي” باعتباره منبعًا قديمًا للهجرات البشرية والكلمات المرافقة لها.
وما يقدمه التحليل الصوتي-الدلالي للكلمتين cry وshout يُظهر أنّ العربية ليست “لغة مجاورة” فحسب، بل مستودع من جذور أولى يمكن أن تُفسّر الغوامض التي تتركها المدرسة الهندو-أوروبية التقليدية بلا جواب.
إن إعادة كتابة تاريخ الكلمات الأوروبية من منظور أكثر شمولًا يقتضي النظر في العربية باعتبارها طبقة أقدم وأعمق. فكلمة cry تستعيد وضوحها من “صرخ”، وكلمة shout من “صوّت”، وهو ما يؤكد أن التأثيل لا يمكن أن يظل حبيس الحدود الهندو-أوروبية، بل ينبغي أن يُفتح على أفق أوسع، يعترف بمسارات الارتباط التاريخي بين اللغات عبر القارات.

أضف تعليق